عندما "يستكرد" الأكرادُ السريانَ والكلدانَ والآشوريين

  نزار آغري - النروج
 
كاتب كردي عراقي
  نشر في النهار السبت 29 تشرين الأول 2005

يجري الحديث بغزارة عن الفيديرالية في العراق بصفتها الشكل المناسب لإدارة البلاد.

ويتم التركيز في هذه الفيديرالية على العلاقة بين العرب والأكراد من خلال تحديد الرابطة بين المركز في بغداد وإقليم كردستان. وفي سياق الحديث تتم الإشارة إلى التركمان بصفتهم عنصراً من عناصر تكوين المجتمع العراقي ولا سيما من جهة تواجدهم في كركوك. ولكن الجميع ينسى، في خضم النقاش، الإشارة إلى عنصر آخر، لا يقل ثقلاً وحضوراً ورسوخاً في تربة المجتمع العراقي: السريان والكلدان والآشوريين.

هؤلاء أحفاد ذلك القوم المتعدد الذي أقام حضارة عريقة نهضت على أيديهم في العراق منذ آلاف السنين. هم الذين شيدوا بابل ونينوى وأنشأوا المكتبات وسنّوا القوانين وبنوا ممالك وامبراطوريات عريقة.

هم ليسوا الآن على ذلك القدر من القوة والمهابة. هذا أحد وجوه حركة التاريخ. إلا انهم ما زالوا هناك حاملين تاريخهم وتراثهم ولغتهم وثقافتهم وإرادتهم في أن يصمدوا ويعيشوا ويظفروا بالحرية.

إنهم شعب، قلّ عددهم أم كثر، انتقم منهم التاريخ كثيراً. أزال الفرس امبراطوريتهم. ثم أكمل العرب الإجهاز على ميراثهم وأقام الترك لهم المجازر وشارك الأكراد في التنكيل بهم. ارتكبت حكومة بكر صدقي، تحت ظل الحكم الملكي العراقي، مجزرة رهيبة بحقهم في مدينة سيميل عام 1933 على مسمع الإنتداب البريطاني. صودرت ثقافتهم ومنعت لغتهم وفرض الحظر على معابدهم. تعرض الكثير منهم للنفي والترحيل. ولكن أكثرهم صمد وتشبث. بقوا في أرضهم يزرعون ويعملون ويحلمون في أن يرجع التاريخ ليبتسم في وجههم مرة أخرى.

شاركوا الأكراد ثوراتهم لمقاتلة الحكومة العراقية المركزية. تبوأ بعضهم مراكز القيادة في الثورة البارزانية: الأب بول بيداري والمقاتلة الشهيرة مارغريت جورج وفرانسوا حريري. ولكن حين منحت الحكومة العراقية الحكم الذاتي للأكراد عام 1970 لم يكن نصيبهم شيء. ولما أقام الحلفاء المنطقة الكردية الآمنة بعد 1991 ثم أنشأ الأكراد "دولة" مستقلة لم يلتفت إليهم أحد. بقوا هناك مهملين، مهمشين، متروكين لأمرهم.

لا أحد يكترث لهم ليس لأنهم لا يطالبون بحقوقهم ولا لأنهم أقلية في العدد بل لأنهم يفتقرون إلى سند دولي. لا أحد يقف معهم. الكل يتحدث عن التركمان، لا لأنهم أكثر طلبا من هؤلاء ولا لأنهم أكبر عدداً بل لأن لهم سنداً قوياً يتمثل في تركيا. تركيا تدعم التركمان وتأويهم وتنشىء لهم الأحزاب والجبهات وتهدد الحكومة الكردية بالويل إذا ما أساءت معاملتهم. العرب والأكراد يتكلمون عن التركمان ويقيمون لهم الوزن، رغم أنهم لم يحصلوا في الإنتخابات على أي شيء يذكر لا في كركوك ولا في غيرها، ولكنهم يسكتون عن السريان والآشوريين والكلدان. يجري "استكرادهم" من قبل الجميع. يُحشرون في زاوية النسيان. إنهم ضائعون وسط تلاطم الأطراف الأكثر قوة تلك التي تحظى بالدعم والسند والرعاية.

يتوزع السريان والكلدان والآشوريون في كردستان العراق: زاخو، شقلاوة، عين كاوه، بيش خابور وأربيل (التي يعمد الأكراد، في سلوك عنصري واضح، إلى تبديل إسمها بإسم هولير وذلك طمساً لماضيها السرياني، الآشوري. أربيل بالسريانية اختصار لكلمة أرب إيلو أي الآلهة الأربعة).

ليس هناك أحد من السريان والكلدان والآشوريين في دفة القيادة في حكومة (أو حكومتي) كردستان. الأمر لا يتوقف عند الإهمال بل هم يتعرضون للإساءة وسوء المعاملة. الرعاع يهجمون على قراهم. المتطرفون دينياً يقتلونهم ويخطفونهم. تحرق كنائسهم. المتنفذون في الأحزاب الكردية يستولون على ممتلكاتهم. رؤوساء سابقون للجحوش الأكراد، انتقلوا إلى صفوف الأحزاب الكردية، استولوا على قراهم في مناطق فيش خابور وشقلاوة.

لا يُنظر إليهم أحد كشعب له الحق في أن يقرر مصيره بنفسه. حكومة بغداد والحكومة الاقليمية في كردستان تهملان حقوقهم. لا تباليان بمطالبهم. لا يحق لهم أن يكون لهم حضورهم القومي الخاص: لغتهم، علمهم، إذاعتهم، تلفزيونهم. تنفق حكومة كردستان الأموال، التي هي أموال الناس جميعاًً، على المدارس والإذاعات والفضائيات والصحف الكردية. ولكنها لا تفعل شيئاً للسريان والآشوريين والكلدان. في أفضل الحالات تبث نصف ساعة باللغة السريانية، وهي مكرسة للحديث عن نشاطات الزعماء الأكراد. ليس لهم أن يتحدثوا عن نشاطهم بأنفسهم وأن يقيموا ندوات عن تاريخهم وثقافتهم وأن تكون لهم آراء قد تتعارض مع الرأي السائد. ليس لهم أن يقولوا ما في دواخلهم خشية التعرض للأذى والحرمان من فرص العمل والوظيفة.

لماذا لا يحق لهم إقامة كيانهم الذاتي بالشكل الذي يقرره هم لا الآخرون؟ ألا يمكنهم التمتع بنوع من الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي أوالكانتون (كما في سويسرا) في إقليم خاص داخل اقليم كردستان؟ لماذا الأمر حلال على العرب والأكراد وحرام عليهم؟ لماذا يحق للجماعات الكردية (الكرمانج، السوران، الفيليين) الإجتماع تحت راية واحدة ولا يحق لهم فعل ذلك؟

هل ينبغي أن يعمدوا إلى إعلان التمرد وخلق المشكلات وإصدار البيانات التي تفضح ما يجري بحقهم أمام الرأي العام العالمي حتى يتم الإلتفات إليهم؟

لقد تم دفعهم إلى أدنى مستويات الحضور على المستوى الإجتماعي والسياسي والثقافي وعوملوا على الدوام باستعلاء حتى ترسخ لديهم نوع من عقدة نقص تمنعهم من الإفصاح عن ذاتهم وكشف النقاب عن تطلعاتهم كما لو كان ذلك شيئاً مخجلاً أو معيباً.

كيف يستوي الحديث عن عراق تعددي، فيديرالي، ديموقراطي في وقت يجري، وبتعمد مؤلم، تجاهل السريان والكلدان والآشوريين الذين كانوا أول من وضع الدساتير وأنشأ الدول وألّف الحكومات وأقام الحضارة في أرض الرافدين؟

Back to the Main Page