الأكراد إذ يقلّدون العرب في القوميّة

  نزار آغري - النروج
 
كاتب كردي عراقي
  نشر في الحياة اللندنية السبت 15 ديسمبر 2007

يبدو القوميون الكرد كما لو لأنهم يبدأون من حيث انتهى القوميون العرب. هاهم يحملون العدة ذاتها وبالقدر نفسه من الحماسة والنزوات والأهواء. إنهم يتغنون، شأن زملائهم من القوميين العرب، بانتمائهم إلى أمة واحدة مغروسة في تربة التاريخ. وهم، شأن أقرانهم العرب، يرددون أن أمتهم تعرضت لمؤامرات خارجية سعت في تشتيتها وإضعافها وكسر شوكتها والنيل من شموخها. وهم يزعمون أن الحدود التي تفصل بين أبناء أمتهم هي حدود مصطنعة رسمها المستعمرون وأذنابهم من القوى المعادية التي اعتمدت سياسة فرق تسد بهدف تمزيقهم والتفريق بينهم.

وعلى غرار الزملاء العرب، دائماً، يرسم هؤلاء صورة ناصعة لوطنهم بحيث يبدو بديهياً أن كردستان كانت مهد الحضارة وأن الأكراد هم من وضعوا اللبنات الأولى لكل ما تحفل بها خزينة البشرية من إنجازات.

الخطاب القومي الكردي، شأن قرينه العربي، يتكىء على الأساطير. يتم إخضاع التاريخ، وكذلك الجغرافيا، للرغبات الآنية ويجري ضخهما بالعواطف والانفعالات . الأمة الكردية، في هذا الخطاب، كانت قائمة منذ فجر التاريخ وستظل كذلك إلى يوم القيامة. لقد ولدت كاملة الأوصاف ناجزة الكيان سليمة القوام وهي ما برحت منذ البدء تحتضن شعباً واحداً يجمع بين أبنائه حبل الرحم ويشدهم قدر واحد يمتد في الوجدان والضمير والآمال والغايات والثقافة والرؤية المشتركة للدنيا والآخرة. يجري إسباغ طابع رومانسي على ماض غامض ويتم إطلاق تصريحات بليغة عن الشعب الواحد والدم النقي وأرض الآباء واللغة الأم بكلمات مأخوذة من قاموس القرابة الأسرية.

إن تأثر القوميين الكرد بالقوميين العرب واضح من جهة التركيز على العرق واللغة والتاريخ بديلاً من الفرد والمؤسسة والمواطنة. وعلى خطى الزملاء العرب، وهم في هذا الميدان رواد، يمجد القوميون الكرد الكتلة الكبيرة والجماعة الواحدة ويحتقرون الفروقات وينبذون الاختلافات. مثل دعاة القومية العربية يطلب دعاة القومية الكردية من أتباعهم إظهار الولاء تحت طائلة الوقوع في صف العدو وارتكاب الخيانة العظمى.

مقابل العروبة تنهض الكردايتي، وهو الاسم الكردي للإيديولوجية القومية. وهذه الإيديولوجية تنهض على ترسيمات نمطية وتصورات كاريكاتورية عن الذات والآخر. نحن طيبون، نبلاء، أفاضل، محبون للخير والسلم، والآخرون أشرار، أنذال، يعشقون القتل والجريمة. النزعة القومية طاغية إلى درجة أن الكرد الذين ما انفكوا يعانون من طغيانها لا يرون مخرجاً سوى باللجوء إليها.

هناك رغبة شبه صوفية لدى القوميين الكرد في تجاهل الوقائع على الأرض والقفز فوق التفاصيل سعياً وراء ذات منتفخة ورسم صورة وردية عن الكرد بوصفهم أمة واحدة (ذات رسالة خالدة؟). فتنهض شعارات التجييش القومي ودق طبول الجهاد المقدس القومي. يتم الاستهزاء بالعيش اليومي والمصالح الاقتصادية والسيرورة الاجتماعية من أجل إيديولوجية شمولية تحلق في الهواء وتتحدث عن مطلقات بلاغية غالباً ما تكون مخادعة. تجري المطالبة بالتضحية بالمكتسبات المحققة في الواقع على مذبح الأخوة المجردة ويتم الاستهزاء بمن يركض وراء المصالح الآنية التي ينبغي أن تؤجل بانتظار أن ينتهي الثوار من تحرير الوطن ليقيموا عليه كونفيدرالية الكومونات.

في الخطاب القومي الكردي تمثل الأمة عائلة رمزية. إنها تفتح حضنها الآمن لأبناءها. الرموز والمعاني المرتبطة بالعائلة تنتقل إلى الميدان. تحل الأمة محل العائلة ويكون الحديث دوماً عن أرض الآباء واللغة الأم وأبناء الجلدة الواحدة.

القوميون الكرد، الذين يعشقون وحدة الدم بين أبناء الأمة الواحدة ويزعجهم تبدل الأحوال، يملكون حنيناً عميقاً للعصر الذهبي الذي كان فيه أبناء الشعب الواحد يعيشون معاً.

وهذه أشياء خرافية بالطبع. الكرد، مثل العرب، لم يكونوا يوماً جماعة واحدة. لم يمزقهم الاستعمار وأذنابه بل هم كانوا، مثل العرب، قبائل وإمارات وكيانات غالباً ما كانت تتناحر. لم تقم قط دولة كردية موحدة بالقدر الذي لم تكن هناك دولة عربية موحدة طوال التاريخ. الحدود التي تقسم الكرد، والعرب، هي بالطبع حدود اصطناعية. ولكن هذا هو حال الحدود في العالم أجمع. كل الحدود هي خطوط اصطناعية وضعها البشر لترتيب العلاقات وتيسير المعاملات وتعيين المهام بين الجهات. ليست هاك حدود دولة تتطابق بالتمام مع حدود انتشار أبناء القومية الواحدة. الأمة الجرمانية تتوزع على أكثر من أربع دول وكلها دول عصرية ومتطورة جداً. ليس هناك من الجرمانيين في ألمانيا أو النمسا أو سويسرا من يلعن المستعمر، وأذنابه، أو التاريخ والقدر جراء توزعهم على كيانات عديدة.

ليست الإختلافات القومية هي التي تعين الحدود. كما أنها ليست هي التي تخلق النزاعات، بل إن الإيديولوجيات القومية هي التي تفعل ذلك وتضفي أهمية كبيرة على هذه الإختلافات.

لا يعني هذا أنه ليست ثمة فروقات قومية أوأنها محض تراكيب إيديولوجية. ولكن ينبغي التمييز بين هذه الفروقات من جهة وبين السعي إلى استغلالها من أجل رسم أطر منغلقة حول المجموعات البشرية من جهة ثانية. ينبغي ألا ننسى أن المجموعة الإثنية ليست سوى واحدة من الوحدات الكثيرة التي ينتمي إليها الفرد وليس ثمة ما يشير إلى أن الأمة أكثر موضوعية من غيرها من الأشياء.

تعمد الإيديولوجية القومية إلى تجميد ما هو متحرك وتحويل ما هو متعدد الجوانب إلى شيء وحيد الجانب. إن حدود الدولة لم تكن يوماً، وهي ليست اليوم، ولن تكون في المستقبل، متطابقة مع الحدود القومية. داخل الحدود هناك شعوب مختلفة. وهناك شعوب واحدة تفصل بينها حدود مصطنعة. هكذا سيكون الأمر على الدوام. ليس هناك ما هو معيب في ذلك. إن الانتماء للأمة شيء والانتماء للدولة شيء آخر. إذا اتخذنا الانتماء القومي معياراً لقيام الدولة فإن نزاعاً أبدياً سيكون مدفوناً تحت تراب الوطن. هذه وصفة ممتازة لحرب مضمرة بشكل أبدي.

الحق أن الإيديولوجيات القومية، شأن الايديولوجيات الدينية، تتمتع بقدرة كبيرة على تعبئة الناس.الأيديولوجية القومية مفبركة ومصطنعة ولكنها في الوقت نفسه تتمتع بأقصى درجات الجاذبية حيث يهرع إليها الناس ويتعلقون بها ويصنعون منها رموزهم ويؤدون القسم بالولاء لها وللعلم والدولة. بل هناك من يضحي بحياته من أجلها. هذه الأيديولوجية تنتعش في أجواءالأحلام النوستالجية التي تحن إلى جذور مشتركة وانتماء للدم الواحد. ولكن هذه الأحلام تصبح خطرة حين تدخل الحيز السياسي حيث تصبح الخريطة أهم من الواقع ويتحول الأجانب إلى أعداء محتملين ويغدو أولئك الذين يترددون في إظهار الولاء للقومية والوطن خونة. كثير من القوميين الكرد بدأوا يتهمون حكومة إقليم كردستان العراق بالأنانية لأنها تهتم بمصالح الإقليم وبنهضته وتحسين مستوى عيش الناس فيه أكثر من اهتمامها بالشعارات الضخمة عن الأمة الواحدة.

القوميون المتزمتون وسواهم من الأصوليين يتمسكون بوحدة الأمة ويلاحقون أولئك الذين يتخلون عنها. وهم لا يتورعون عن اللجوء إلى الأساليب الاستبدادية لملاحقة المخالفين في الرأي سواء تعلق الأمر بالترهيب المعنوي أو بالأذى الجسدي.

السيادة الحقيقية، في عالم اليوم، للفرد لا للأمة. الفرد هو الذي يقرر ما يكون عليه وما هي الاتجاهات السياسية أو الفكرية التي يحبها أو لا يحبها. الأمة تتحرك في ميدان الطقوس والشعائر، أما الفرد فيتحرك في مضمار الواقع. وإذ يغدو العالم كله قرية واحدة متصلة بألف رباط، يصير ممكناً للمرء أن يتمسك أو يتنصل من الإنتماء القومي أو الديني أو الثقافي ومن دون محرمات. وينبغي أن يتحقق ذلك من دون أن يوصم فاعله بالخيانة أوالكفر. يتحتم أن يصير ممكناً للمرء أن يملك الحق ليس فقط في تبني هوية محددة بل في عدم تبنيها أيضاً.

كان يمكن للقومية الكردية، بوصفها ضحية، أن تقف في طليعة الساعين في هذا الاتجاه. ولكن أنى لها ذلك هي التي نشأت في كنف ثلاث نزعات قومية مصابة بتخمة الشوفينية والتمييز القومي.

Back to the Main Page