ASSYRIANS AND THE ARABIZATION MANIA

الآشوريون وجنون الاستعراب

 

من نكر أصله فلا أصل له, ومن لا أصل له فهو نغل

(مثل عربي مشهور)

 

أبرم شبيرا - لندن

أستغرب استغراباً مثيراً للاشمئزاز عن قلة الحياء التي يتصف البعض من المحسوبين على شعبنا في إنكار أصلهم وتاريخهم ومحاولة تزويره لا لشيء إلا لمسح اكتفاء الحكام الجلادين المتسلطين على مقدرات وطننا الأم وإرضائهم، ولا يغيب الشك في نفسي بأن هذا المستوى من قلة الحياء والدونية سيصل إلى مسح الأحذية لا مسح الأكتاف، أو كما قال عظيم عظماء أمتنا المفكر فريد نزها لمثل هؤلاء المتخاذلين وقبل ما يقارب سبعة عقود "إذا لم ترق التسمية الآشورية لجناب الحاكم هل تجيز لك آدابك وشرف قوميتك وقواعد دينك أن تبدلها بغيرها إرضاء لخاطر الأمير وإكراماً لسواد عينه؟ وماذا تصنع غداً متى خطر لحاكمك المطلق أن يقول لك أنزع هذا الصليب من باب كنيستك ومحظور عليكم أنتم معشر النصارى قرع الأجراس؟ وماذا تقول إذا قالوا لكم غداً أن تعليم السريانية ينافي نظام دائرة المعارف الوطنية؟ أنك تستبعد حصول هذه الفواجع، ولكن الليونة والخنوع اللذين أبديتهما تجاه الحاكم المستبد سوف يحملانه على التمادي في ظلمه واستبداده فماذا تجيبون حكومتكم إذ ذاك يا حضرة الأستاذ؟".

 

وحسرتاه كنت أتمنى أن يكون أستاذنا الكبير فريد نزها عايشاً في هذه الأيام ليرى بنفسه ماذا يجيبون هؤلاء المتخاذلون على الحكام المستبدين وكيف يخضعون لهم خضوعاً شنيعاً إلى درجة إنكار أصلهم. شتان بين الأمس واليوم عندما كان أبناء شعبنا وبعض زعماءه يمدون رقابهم لسيف المستبد الطاغي ولا يتنازلون عن قيد شعرة من إيمان ومعتقدات وأصل أجدادهم. أليس هنا خلل عقلي أن نربط أو ننسب مستعرب اليوم بأبطال الأمس ؟؟؟ بلى والله.

ولكن دعونا نتجرد من العاطفة التي غمرت عقولنا وقلوبنا والتي وصلت إلى درجة لم نعد نستطيع السيطرة على لساننا وأقلامنا بسبب قلة حياء مثل هؤلاء الأشخاص، دعونا هذه المرة نتمرد على عاطفتنا ونلجأ إلى الموضوعية بخصوص تخريف البعض في إنكار أصلهم ومن ثم تطفلهم على العرب ومحاولة تعريب أنفسهم وتشبيه حالهم كحال اللقيط الذي لا أهل له يسعى إلى طرق الأبواب طلباً للمأوى أو الملجأ أو يبحث عن من يرحم بحاله ويتبناه كيتم. في موضوعيتنا هذه سوف لا نلجأ إلى أفكار وكتابات أسيادنا الكبار أمثال فريدون أتورايا أو توما أودو أو يوسف بيت هربوت أو نعوم فائق أو فريد نزها أو سنحاريب بالي أو ديفيد بيرلي أو يوسف مالك، لأن هؤلاء بنظر ناكري أصلهم هم كفار وملحدين وزنادقة لا يعتد بهم، والحمد الله فهذه بركة ونعمة من ربنا الخالق أن يكون موقفهم كذا وإلا اتسخت أسماء هؤلاء العظماء حينما يعتبرونهم من مؤمنيهم أو أتباعهم شكراً يا رب على هذه النعمة ؟؟!! . إذن لندع موضوعيتنا تعتمد على ما يرده العرب أنفسهم، خاصة كبار مثقفيهم وكتابهم الموضوعيين، عن الآشوريين وعلاقتهم بالعرب ومدى "تمازج الدم المشترك وجريانه في عروق المستعربين".

 

ولكن قبل هذا، لنتساءل لماذا ينكر هؤلاء أصلهم ويوصمون أنفسهم بالعرب طالما لا ينقصون عنهم بشيء، بل ربما يزيدون عنهم، من حيث عمق التاريخ والأصالة الثقافية ودور أجدادهم وأصولهم في الحضارة الإنسانية. فلو بحثنا الموضوع من الجوانب السيكولوجية والسوسيولوجية لوجدنا بأن مرض الدونية والخضوع للقوي والمستبد المتسلط هو أساس المشكلة وجواب واضح وصريح لمثل هذا التساؤل، وهو الموضوع الذي فصلنا عنه في كتابنا المعنون (عقدة الخوف من السياسية في المجتمع الآشوري). وهذا المرض يصيب الفرد سواء أكان في أرض الوطن أم أنتقل إلى المهجر ونقل معه مرضه. إذن فالمشكلة بالأساس كامنة في كون العرب يمتلكون السلطة السياسية في حين يفتقر إليها الآشوريون، وأضيف أيضا السريان والكلدان، حتى لا يزعل البعض ويتهمني بالنسطورية. أي بعبارة أخرى، أن مسألة استعراب بعضهم لأصلهم، لا تمت إطلاقاً بأية صلة موضوعية أو بحقيقة تاريخية، وإنما هي بالأساس مسألة سياسية يستخدمها الحكام المستبدين في وطننا الأم والمفكرين العرب المتطرفين في ممارسة سياستهم تجاه الأقليات وبالأخص الآشوريين منهم بهدف دمجهم في القومية العربية، وحزب البعث الحاكم في العراق وسياسته في تعريب الآشوريين والسريان والكلدان نموذج في هذا السياق. من هنا نقول بأن كل ما كتب أو صرح في الأصل العربي لهؤلاء المستعربين ما هو إلا أداة سياسية لخدمة الأنظمة الاستبدادية التي لا تقر ولا تعترف بالاختلاف اللغوي والثقافي في الوطن الواحد، وبالتالي فهو فاقد لكل مصداقية وموضوعية ولا يعتد به غير المخبولين والمجانيين.

 

إذن لنبحث عن الموضوعية في إنكار أصل هؤلاء المستعربين وعن كيفية اختلاف الآشوريين والكلدان والسريان عن العرب منذ أقدم العصور وحتى اليوم اختلافاً قومياً وحضارياً وثقافياً ولغوياً وفكرياً ونفسياً وحتى اختلاف من حيث المصير والأماني. هذه الحقيقة الموضوعية لهذا الاختلاف، مثبت علمياً في الكثير من الكتب والمراجع، ولا أريد أن أطيل فيها غير أن أذكر مرجعين أثنين فقط وقد تكون غائبة عن البعض، وهي مراجع وكما سبق وأن قلت، كتبهما العرب وليس الآشوريون، وكتبت في السنوات القليلة الماضية.

 

المرجع الأول : هو كتاب ( أول العرب : من القرن التاسع وحتى السادس قبل الميلاد) ألفه الدكتورة لمياء الكيلاني والأستاذ سالم الآلوسي، والذي صدر عن دار نابو في لندن عام 1999. وجميع صفحات هذا الكتاب هو عن علاقة الآشوريين بالعرب خلال تلك الفترة مبينةً الاختلاف الكبير بينهما ومن جوانب عديدة ومختلفة والمثبتة في الألواح الطينية والجداريات والقصور المكتشفة في نينوى وآشور وخرسباد ونمرود والتي لا تقبل إطلاقاً أي شك أو اختلاف حول مضامينها، كما يبين الكتاب التسميات المختلفة، أو الأصح اللفظة المختلفة التي كانت تطلق على شعب الصحراء، أي العرب، من قبل الآشوريين، ولكن العيب الذي يؤخذ على الكتاب هو تجنبه البحث في مصدر أو جذر تسمية العرب، والذي هو من المعتقد أن يكون من (إربا أو عربا - أي الخروف باللغة الآشورية) وأربايا أو عربايا هي صفة باللغة الآشورية وتعني صاحب الخروف أو الذي يعتمد تربية الخروف كمصدر أساسي لحياته، أي الراعي، وهي الحالة التي كان يتصف بها البدو أو رجل الصحراء، من هنا جاءت كلمة عربايا أي العرب كرجل الصحراء أو الريف، وهي التسمية التي كان سائدة حتى السنوات القليلة الماضية، ولا زالت سائدة في بعض المناطق من العراق، في إطلاق أهل المدن كلمة (عرب) على أهل الريف والصحراء.

وفي هذا الكتاب يتجاوز الاختلاف بين الآشوريين والعرب أكثر من هذا فهما كانا وعلى الدوام في تناقض وصراع وحروب لا كشعبين مختلفين فحسب وإنما كمفهومين أو عقليتين متناقضتين ومتصارعتين. وعلى الرغم من أن الكتاب، لم يبين سبب هذا التناقض والصراع، إلا أن الحقيقة التاريخية المثبتة علمياً هي أن الآشوريين كانوا يمثلون الحضارة بكل حذافيرها والعرب كانوا يمثلون البداوة القائمة على الغزو والنهب. فيكفي أن أشير إلى اللوحات الطينية الموجودة في المتحف البريطاني أو المنشور بعضها في هذا الكتاب والتي تبين مطاردة الجيش الآشوري للعرب في الصحراء الغربية، وهم ممتطين الجمال ويفرون من أمامهم ومن ثم دحرهم أو حرق خيامهم، كما مبين في ألواح أخرى، وذلك بسبب قيامهم بمهاجمة القوافل الآشورية أو المستوطنات القائمة على طرق هذه القوافل.

 

إذن يبقى التساؤل قائماُ، كيف ينكر البعض أصالة أصله التاريخي ذات الحضارة العريقة وينسبه إلى البداوة؟. والجواب أيضاً يبقى حاضراً، وهو الخوف من السلطة السياسية الجائرة والرهبة من الحكام المستبدين والخنوع له ، كما سبق ذكره. ولكن مهلاً، ربما هؤلاء ينكرون أصلهم الحقيقي طمعاً بالعروبة كأصل لهم ذلك لأن العرب أيضا وفي الفترات الماضية تحولوا من البداوة إلى الحضارة كما كان العهد في الخلافة العباسية والأموية مثلاً، ولكن هؤلاء المستعربين يعرفون أكثر مني ومن غيري بأن هذه الحضارة العربية بنيت على السواعد العلمية والفكرية لكبار الآشوريين السريان الذين رغم عملهم ولسنوات طويلة في خدمة الخلفاء العرب المسلمين، إلا أنهم كانوا وعلى الدوام معتزين بأصلهم وتراثهم وانتمائهم الحضاري واللغوي ولم يكن يتصورا أو يجرؤا على إنكار أصلهم وأن يقولوا بأنهم عرب.

 

إذن كيف يحق لهؤلاء أن ينسبوا أنفسهم إلى أباء الكنيسة الأوائل ورجال الأمة، أمثال سرجون بن منصور(لاحظ أسمه راجع المنجد في اللغة والإعلام، طبعة 26 ص 353) وهو أول مستشار مالي للخليفة الأموي معاوية في القرن الميلادي السابع، وحفيده هو حنا الدمشقي والذي يعتبر من كبار أباء الكنيسة السريانية، لا بل كيف يحق لهم أن ينسبوا أنفسهم إلى أباء الكنيسة السريانية الذين كانوا يعتزون بأصلهم الآشوري أو السرياني كل الاعتزاز رغم السيوف والمظالم المفروضة عليهم. فإذا كان الخوف قادراً على تشويش الذاكرة وإنكار الأصل، فاللوحات والجداريات الموجودة في الأديرة والمقابر لا تعرف مثل هذا الخوف، ويكفي أن نشير إلى لوحات مجموعة من الأباء البطاركة المثبتة على جدران دير زعفران في تركيا والتي كتب تحتها أسمائهم مثل (بطرس الثالث من آثور ويعقوب الثاني من آثور وهكذا مع غيرهم ) إضافة إلى الصورة الفتوغرافية المأخوذة عام 1903 والتي ذكر في حاشيتها بأنها صورة لطلاب مدرسة الدير مع مدير المدرسة الأسقف توما أتورايا. أو هل ننسى كنيسة مار برصوم في مذيات تركيا والنصب الحجري التذكاري الذي جاء فيه (بنيت هذه الكنيسة في عهد البطريرك برصوم الأول أتورايا؟؟ أو نهمل الكتابة التذكارية الموجودة عند مدخل مقبرة القديسين في دير مار كبريل والتي تذكر وتقول بأن هذه المقبرة عمرت بفضل تبرعات المؤمنين الآثوريين، ويقصد بهم السريان الأرثوذكس من منطقة الموصل. أنا شخصياً لا أخشى، ولا يخشى غير ممن يعتز بأصله العريق، أن ينسى هذا أو تمحوه الذاكرة ولكنني أخشى أن الخوف من استبداد السلطات في وطننا الأم سوف يدفع بعض المستعربين إلى أن يستعملوا ازاميلهم أو صلبانهم لتفعل فعلها الشنيع في تزيف التاريخ وهدم هذه الأسانيد العظيمة في أصلهم الذي يحاولون إنكاره، مثلما فعل المثلث الرحمات البطريرك مار أفرام برصوم الأول الذي كان يتفاخر بانتمائه الآشوري قبل أن يستقر المقام بالسلطات الاستبدادية في وطننا الأم وقبل مذبحة سميل عام 1933 ليتحول فيما بعد من مفكر ومناضل قومي آشوري إلى مؤيد ومدافع عن حقوق العرب بحيث أصبح يعرف بـ "قس العروبة" أو كما يسميه مار أسحاق ساكا مطراننا في نينوى عفوا أقصد الموصل بأنه كان أحد أقطاب العرب، لا بل وصل التخريف والهذيان عند البعض إلى درجة خلق مفاهيم ومصطلحات لا وجود لها في الكون مثلما صرح أحد رجال الكنيسة في المهجر ووصم قوميته بأنها "قومية كنسية أو دينية"، ما شاء الله على هذا التفلسف العظيم في القرن الحادي والعشرين؟؟!!

 

المرجع الثاني: هو كتاب (العربي المسيحي اليوم ) الذي أصدره المعهد الملكي للدراسات الدينية في عمان-الأردن، عام 1999، وهو بالأصل تقرير مفصل عن الحلقتين الدراسيتين اللتين عقدتا في عمان في شهري أيلول وكانون الأول من عام 1997 لمناقشة وضع المسيحيين العرب في البلاد العربية والنتائج التي توصلتا إليها. شارك في هذين الحلقتين مجموعة كبيرة من كبار المثقفين والكتاب ورجال الدين والسياسة وصل عددهم إلى (43) شخصية عربية. وعلى الرغم من إننا لا نتفق مع بعض ما ورد في هذا الكتاب، وهو ليس موضوعنا هنا، إلا أن أهم الذي يهمنا في سياق استعراب البعض المحسوبين على أمتنا، وخاصة تصريحات بعض رجال الكنيسة، هو أن نذكر موقف هؤلاء كبار المثقفين والكتاب العرب الذين شاركوا في الحلقتين الدراستين بخصوص أقليات الوطن العربي، ومنهم الآشوريون والكلدان والسريان. لنرى ماذا يقول هؤلاء بخصوص العراق (ص81-ص82) ونقتبس ما يهم موضوعنا:

"لقد دخلت المسيحية إلى العراق في القرون المسيحية الأولى وبعد دخول الإسلام إلى العراق عاش المسيحيون كأهل ذمة. وفي العصر العباسي كان لهم دور كبير في نقل العلوم والفلسفة الإغريقية إلى الثقافة الإسلامية، وكان منهم علماء وأطباء وعلماء لغة لعبوا دوراً كبيراً في صياغة الثقافة والحضارة العربية وثمة خصوصية يتمتع بها مسيحيو العراق، وهي أنهم ينتمون إلى إثنيات عرقية معروفة كالسريان والآشوريين والكلدان والأرمن، وأغلب المسيحيين يتوزعون على هذه الإثنيات أما الوجود المسيحي العربي فقليل" أن المسلمين في العراق يعتبر المسيحيين العراقيين عناصر تمدين للمجتمع العراقي، ومنذ تأسيس الدولة العراقية في العشرينات وحتى الآن لا توجد مشاكل إجتماعية مثل الزواج المختلط وقد لعب المثقفون المسيحيون في العراق في العصر الحديث دوراً كبيرا في الثقافة العراقية وفي تمدين المجتمع العراقي، وكان لهم دوراً كبيراً في إدخال الأجناس الثقافية المختلفة إلى البلد، ويمكن القول إن المدراس المسيحية في العراق أنشئت قبل المدارس الإسلامية، ولم تظهر في العراق خلال السنوات العشر الأخيرة إلا مشكلتان تخص المسيحيين وهما:

الأولى: هي مشكلة التجنيس والهوية، حيث لم يسمح للسريان والكلدان والأرمن والآشوريون بتدوين أسماء قومياتهم في التعداد العام للسكان، إذ لم يكن في خانة الهوية سوى قوميتين: عرب وأكراد. وقد جرى تبليغ المسيحيين أن يسجلوا أنفسهم كعرب. وبالرغم من تذمرهم الشديد فإن أحداً لم يجرؤ على طرح هذه القضية بصورة علنية"

الثانية: هي مشكلة تخص الشعب العراقي بشكل عام فبسبب سوء الأوضاع الاقتصادية هاجر الكثير من العراقيين إلى مختلف دول العالم، ويبدو أن ثمة عمليات تهجير مدبرة للمسيحيين من العراق إلخ"

 

وكما ذكرنا سلفاً بأنه رغم عدم اتفاقنا معهم في بعض الأمور، منها الإشارة إلى السريان والكلدان والآشوريون كإثنيات مختلفة، فأن الذي يهمنا من هذه الدراسة هو تأكيدها على الاختلاف الإثني والعرقي والثقافي للمسيحيين العراقيين، وهم في غالبتهم الكبيرة من السريان والكلدان والآشوريين، عن بقية العرب وأن وجود المسيحي العربي في العراق من غير هؤلاء قليل، وبالتالي نرى عدم تجرؤ كبار الكتاب والمثقفين العرب على وصف هؤلاء، أي الآشوريين والسريان والكلدان، بالعرب المسيحيين لأنهم كانوا متأكدين لو فعلوا ذلك لجنوا على الحقيقة وكذبوا الواقع فهم يعرفون جيداً بأن الآشوريين والسريان والكلدان ليسوا بعرب بل هم مختلفون عنهم، لهذا السبب أبقوا على معرفتهم الموضوعية ولم يحيدوا في هذا السياق عنها.

 

فإذا كان كبار المثقفين العرب الموضوعيين لا يجرؤا على وصف الآشوريين أو السريان أو الكلدان بالعرب وينسبون أصلهم إليهم، فتصورا إلى أية درجة وصلت قلة الحياء والدونية والخنوع، لا بل الاستهتار والهذيان، عند بعض من المحسوبين على كنيستنا العظيمة وأمتنا الصامدة، في إنكار أصلهم ونسبه إلى العرب. فالعرب نفسهم، بل كبار مثقفيهم، يرفضون ذلك. أليست هذه شحاذة أو تسول على أبواب الغير، أليس هذا كفراً ومخالفاً لتعاليم تلك الكنيسة العظيمة التي بني أساسها على صخرة بطرس؟، وأنهم ينكرون لغة ربنا يسوع المسيح التي صلى بها للتلاميذه وبشر بها الرسل الأطهار، وبالتالي أليس هولاء زنادقة وكفار وملحدين وأن فريد نزها ويوسف بيت هربوط ونعوم فائق وفريدون أتورايا وأغا بطرس ويوسف ماليك وتوما أودو أطهار مكانتهم الجنة التي وعدنا بها الرب. ولكن دعنا أخيراً نقول لهؤلاء ونذكرهم بالمثل القائل بأن الغراب الذي أراد تعليم فرخه مشية الحمام قد ضيع عليه المشيتن، أي أضاع مشية الغراب كما ولم يتعلم مشية الحمام، فحال هؤلاء في إنكار أصلهم سيكون كحال فروج الغراب لا أصل آشوري لهم بعد أن أنكروه ولا يمكن أن يكون لهم أصل عربي أو أن يصبحوا معتبرين كعرب، خاصة عندما نعرف بأن هناك مثل عربي مشهور يقول ( من نكر أصله فلا أصل له ومن لا أصل له فهو نغل) والعرب أنفسهم لا يريدون بينهم نغل، لأن العرب المعروفين بالأصالة والشهامة يعرفون جيداً بأن من لا يحترم أصله ونفسه فلا يستحق الاحترام بل يجب رميه في مزبلة المجتمع. فهذه الحالة تذكرني بحكمة قديمة تقول بأنه عندما ينادى الفأر باسم الأسد يغضب كثيراً ويتهيج جنوناً لأنه لا يحب أن يطلق عليه أسم غير الفأر. لعمري أن هذا الفأر أكثر كرامة وعزة من هؤلاء المستعربين.

 

ودعنا أيضا نقول لأبناء أمتنا النجباء، بأن حملة استعراب أمتنا العظيمة التي تشتد هذه الأيام ويقودها بعض المحسوبين على الكنيسة ليس القصد منها إلا خلق حالة من اليأس والقنوط والإحباط في أبناء أمتنا للأنقاض عليها والتخلص من عظمة تاريخها ومجد حضارتها ليسهل هضمها في كرش الأمة العربية بالمفهوم البعثي، وهي كمقياس أو كرد فعل جنوني مقابل تنامي الوعي القومي بين أبناء أمتنا، وخاصة الشباب والمثقفين منهم، وتزايد الاهتمام والقلق بوحدة جميع طوائفها الكنسية والتي تهدد كراسي البعض، لا بل أن حملة الاستعراب هي تخبط عقلي واستهتار فكري نتيجة تعاظم إصرار أبناء أمتنا الشرفاء على مواصلة النضال وبكل الوسائل المتاحة والممكنة من أجل الحفاظ على مقومات الأمة وطهارة كنائسها سائرين، غير مبالين بنباح المستعربين، نحو تحقيق هدفهم في خلاص الأمة سواء أكان ذلك يوم غد أم بعد ألف عام.