الدولة الكرديــة

حقيقة أم يوتوبيــا

حنا سوريشـو

 

يعتبر الكرد في هذا اليوم، والذين يقدر نفوسهم بين ( 20-25 ) مليون نسمة، من القوميات الكبيرة  في العالم التي ليس لها كيان سياسي متميز، أو دولة خاصة بهم  رغم كون " كردستان " ، والذي  يعني بلد الكرد، يمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة تشمل أراضي من العراق وإيران وتركيا وأذربيجان وحتى سوريا، ولكن هو بلد بدون حدود  معينة ومثبتة على الخريطة السياسية للعالم، ولا يدل على انه وطن يتطابق مع شعب ومع دولة كردية موحدة وإنما هو عدة مناطق منقسمة بين عدة دول إسلامية متجاورة أو متصلة ببعضها. ومما لا شك فيه هناك جملة عوامل سياسية وإقليمية ودولية لعبت دوراً مهماً في إفقار الكرد من وحدة قومية أو من كيان سياسي قومي خاص بهم. وقد تنطبق هذه العوامل أيضا على بعض القوميات الأخرى التي مزقتها الحدود السياسية للدول، إلا أن ما يميز الكرد عنهم هو تفاعل هذه العوامل مع عوامل داخلية اجتماعية مرتبطة بطبيعة الكرد أنفسهم ساهمت مساهمة فاعلة في هذا الإفقار. وعلى العموم يمكن حصر هذه العوامل في : أولاً : علاقة الكرد بالدين الإسلامي، وثانياً : التركيبة الاجتماعية لهم .

 

بالنسبة للعامل الأول، يجمع معظم المؤرخين على أن الكرد لم يكن معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تبدأ بوادر هويتهم الكردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية، فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب  شمل حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم المتميزة، لكن مع هذا،  برزوا كمحاربين أشداء ومقاتلين في سبيل دينهم. وصلاح الدين الأيوبي، معروف بالأمثال المضروبة به في شجاعته وبسالته في خدمة الإسلام، فهو الذي كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه إلا أنه لم يفكر أو يسعى إلى تأسيس كيان خاص لأبناء شعبه الكردي فحياته كلها كانت مكرسة في بناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها. والتاريخ أيضاً يزودنا بدلائل كثيرة على إخلاص الكرد للدين الإسلامي والجهاد في سبيله إذ لم يسجل أية ردة دينية قامت بينهم أو انحراف أو اجتهاد فكري بعيد عن روح الإسلام، وحتى المدارس أو الفرق الدينية التي ظهرت بينهم في فترات معينة فهي الأخرى لم تكن في تناقض أو تعارض مع الاجتهادات العامة للدين الإسلامي، كما أنهم لم يقوموا بثورة أو بتمرد واسع النطاق ضد سلطات الدول الإسلامية التي عاشوا في كنفها مطالبين بحقوق قومية خاصة بهم ومتميزة أو داعين إلى تأسيس دولة كردية، أو إلى تثبيت مكانة سياسية خاصة بهم في ديوان الحاكم أو الخليفة أو اقتناء امتيازات خاصة بهم، كما كان الحال مع الفرس والترك والشراكسة والمماليك، بل كانوا وعلى الدوام، رغم اختلاف انتماؤهم القومي عن الحكام أو عن الأكثرية المسيطرة، كانوا مواطنون من الدرجة الأولى باعتبارهم جزء من أبناء الأمة والدولة الإسلامية التي لم تكن تفرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى .

 

أما بالنسبة للعامل الثاني، والمتعلق بالتركيبة الاجتماعية للمجتمع الكردي، فأن الطبيعة الجغرافية القاسية وعزلة المنطقة وصعوبة الاتصال بينها وبين العالم الخارجي من جهة وبين الأقسام المكونة لـ "كردستان" من جهة أخرى ساهمت في خلق نظام اجتماعي متميز شكلت العشيرة البنية الأساسية له والتي تمتعت بنوع من الاستقلال الذاتي تجاه السلطة المركزية . فالكرد وعبر التاريخ لم يشكلوا أمة موحدة لها كيانها الخاص بها ، بل كانوا مجموعة من العشائر تفتقر إلى التماسك والتضامن فيما بينهم، فكانوا يعيشون في جبالهم المعزولة ويبدون طاعة شديدة إلى شيخ العشيرة ويخضعون إلى أي نوع من الحكومة طالما كانت سلطتها إسلامية وتدعو إلى تطبيق الشريعة والسنة. وقد يبدو أن مثل هذه الظاهرة قد تكون سائدة في بعض شعوب المناطق المجاورة أيضا، إلا أن قوة وصلابة النظام العشائري في الكرد واستقلالية وحداته الاجتماعية جعلتهم في حالة مختلفة، خاصة عندما كانت الحكومات المركزية، وتحديداً الدولة العثمانية، تستغل وضعهم الاجتماعي وتزيد من ترسيخ استقلالية الوحدات الاجتماعية، أي العشائر، وانعزالها عن البعض وقطع الصلة بينهم سواء من خلال سياسة "فرق تسد" أو عن طريق تأليب بعضهم على البعض، أو استغلال بعض العشائر ضد البعض في حالة قيام تمرد أو ثورة أو محاولة الخروج عن هيمنة السلطة أو تجاوز حدود النظام الاجتماعي السائد ومن ثم إخضاع الجميع في نهاية المطاف وحصرهم في قوالبهم الأصلية وحدودهم الطبيعية. ومما ساعد على استمرار هذا النمط من التركيبة الاجتماعية للنظام الكردي هو تداخله وتفاعله مع عامل الدين ومن خلال رأس أو زعامة هذه التركيبة المتمثلة في شيخ العشيرة. فكلمة الشيخ عند الكرد لا تعني  زعيم عشيرة فحسب، كما هو معروف عند العرب، بل يقصد بها ذلك الشخص الديني التقي والورع الذي أوقف نفسه لخدمة الله والدين، سواء أكان منحدر فعلاً من أصول دينية أو مكتسباً لهذه الصفة من الممارسة الدينية في حياته ، لذلك نجد بأن الكثير  من السادة أو الملالي أو الشيوخ  يدعون انحدارهم من نسل النبي محمد أو من أئمة دينية معروفة، رغم جذورهم القومية والعرقية المختلفة .

 

ولكن مع هذا، فالتاريخ الكردي في المنطقة لا ينفي أبداً قيام كيانات كردية مستقلة في السابق نالت استقلالها عن السلطات المركزية للدول العثمانية، إلا أنها سرعان ما كانت تنهار بعد فترة غير طويلة، إما بسبب موت الشيخ المؤسس الذي قاد الاستقلال، أو باندحاره في نهاية المطاف أمام قوات الدولة المركزية، أو عن طريق تحريض حكام هذه الدولة  لبقية شيوخ العشائر الكردية للانقضاض عليها. وفي معظم الحالات تقريباً جاء  زوال هذا الاستقلال القصير للدولة الكردية بفعل تفاعل العاملين السابقين، حيث كان مثل هذا الاستقلال يسبب لبقية الشيوخ الهلع والخوف  من جراء تنامي سلطات الشيخ المؤسس للدولة الكردية والذين كانوا يعتقدون، أو كما كان يصور لهم من قبل السلطات المركزية، بأن مثل هذه الدولة ستكون على حساب مصالحهم واستقلالهم العشائري من جهة، وأنه، من جهة ثانية، هو أجراء أو تمرد أو عصيان مخالف للدين والشريعة الإسلامية لأنه لا يجوز مقاومة السلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين. وفي تاريخ هذه الكيانات الكردية فتاوى أفتيت بحقها من قبل شيخ أو سيد كردي، كانت من ورائها السلطات العثمانية، لعبت دوراً كبيراً في انهيارها. هناك أمثلة كثيرة من هذه الثورات الكردية في القرن التاسع عشر والتي سقطت بمجرد صدور فتوى من شيخ كردي وبتحريض من السلطات العثماني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قام محمد الكردي أمير إمارة سوران بثورة شكلت خطورة على الدولة العثمانية فاستعان السلطان العثماني بالملا محمد وهو كردي لإخماد الثورة، فأصدر هذا الملا فتوى دينية ضد الأمير محمد تقول "من يحارب جيش الخليفة فهو كافر وغير مؤمن وأن زوجته طالق" فترك جنود الكرد أميرهم يلاقي مصيره أمام السلطان بسبب هذه الفتوى. لهذه الأسباب قيل بأن الصراع الكردي الكردي الداخلي كان وعلى الدوام أشد بكثير من صراعهم مع أعدائهم ومضطهديهم.

 

وهناك روايات كثيرة قيلت في عدم وفاق الكرد وتوحدهم وإبقاء الفتنة والقتال بينهم وصلت غرابة بعضها إلى حدود الأساطير. وأغربها قصة لعنة رسول الإسلام النبي محمد على الكرد والتي أوردها كاتب كردي مشهور أسمه البدليسي في كتابه المعروف (شرفنامه) الذي كتبه في القرن السادس عشر، وهو أول كتاب كردي يبحث في تاريخهم، حيث ورد فيه بأن في بداية الرسالة الإسلامية أرسل (أغورخان ملك تركستان) وفداً إلى رسول الإسلام برئاسة شخص يدعى (بغدور) وكان من أمراء الكرد وكان هذا كريه المنظر، فظاً غليظاً شديد المراس، فلما وقع نظر النبي على هذا الشخص الكريه المنظر والضخم الجسم، فزع ونفر منه نفوراً شديداً. وعندما سأل عن أصله وجنسه قيل بأنه من الطائفة الكردية وعندئذ دعا النبي قائلاً "لا وفق الله تعالى هذه الطائفة إلى الوفاق والإتحاد" . أورده. وعلى الرغم من أن بعض الكتاب ينفون هذه القصة في لعنة الرسول للكرد ويكذبونها لأن الرسالة الإسلامية لم يكن خبرها قد وصل في عهد الرسول إلى بلاد التركستان، إلا أن مع هذا يعطون أهمية لها لكونها قد أوردها كاتب كردي في القرن السادس عشر الميلادي كان له دراية ومعرفة في عدم وفاق الكرد وتوحدهم.

 

أما في فترة قدوم الأفكار القومية الحديثة من أوربا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين،  بما فيها مبدأ القوميات وحق تقرير المصير وغيرها من المبادئ والمعتقدات التي نادت بضرورة إقامة الدول على أسس قومية ووصولها إلى المنطقة، فإنها بدأت تتفاعل مع غيرها من العوامل السياسية  في نخر جسم "الرجل المريض" والقضاء عليه وتفتيت إمبراطوريته، فكانت الفرصة مأتية للكرد للتحرك والتخلص من الاستبداد العثماني واقتطاع حصتهم من التركة وتأسيس دولتهم الكردية في "كردستان". ومما كان Sultan Abdul Hamid II يساعدهم على تحقيق ذلك هو  قدرتهم العسكرية وخبرتهم القتالية في المناطق العاصية مع كثافتهم السكانية وتركزهم الجغرافي، إضافة إلى السياسات الدولية التي كانت تقضي  بتفتيت الإمبراطورية  العثمانية وتقسيمها إلى دول قومية. غير أنه يظهر إن هذه الأفكار والمبادئ ، والتي كان الأتراك يروج عنها باعتبارها أفكار "مسيحية " وافدة من أوربا تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية، لم تغير من واقع الكرد بشيء ولم تؤثر على العوامل المتحكمة في المصير القومي الكردي المندمج مع الدولة العثمانية ولا أن تفعل فعلها نحو توحيدهم في كيان قومي أو تعمل على تبنيهم مبدأ قومي واضح يتجاوز البنية الاجتماعية العشائرية السائدة، لا بل وإنما على العكس من هذا، بدأ الكرد في الدفاع المستميت عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية فاستطاع الأتراك استغلال هذا الاندفاع والزج بالعشائر الكردية في أتون نيران الحرب التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل غير رغبة الانتقام المنقادة بعقلية عشائرية متحكمة في حياة الكرد. ففي عام 1885 شكلت السلطات العثمانية قوات عسكرية من العشائر الكردية عرفت باسم (قوات الخيالة الحميدية ) بهدف توطيد السلطة العثمانية في جبال "كردستان" والتي أصبحت أداة فاعلة ومؤثرة ليس في استبداد وقهر الشعوب المسيحية، كالآشوريين والأرمن فحسب، وإنما أيضا في قمع بعض الحركات أو العشائر الكردية الأخرى التي ناهضت سلطة الدولة. فاستمرت هذه القوات في أداء خدماتها "الممتازة" للأتراك حتى بعد فترة استيلاء حزب الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) على السلطة السياسية وإزاحة السلطان عبد الحميد وإعلان الدستور العثماني في عام 1908 حيث تبدل أسمها إلى (الخيالة الخفيفة) والتي أصبحت القوة الضاربة في يد القوميين الاتراك لاضطهاد الشعوب غير التركية بهدف تحقيق سياسة التتريك ومن ثم إنجاز حلم إقامة الإمبراطورية الطورانية. ثم، وبعد سنة من قيام الحرب الكونية الأولى، ألغيت هذه القوات نهائيا، ولكن مع هذا استمر معظم الكرد  في خدمة دولة الأتراك، سواء من خلال انخراطهم في المؤسسة العسكرية أو المدنية أو من خلال تحريض العشائر الكردية واستخدامهم في الحرب. ويذكر المؤرخون بأنه خلال الحرب الكونية الأولى كانت قيادة الجيش توزع تعليمات على الضباط الأتراك تدعوهم إلى قتل العرب مع الإبقاء على الكرد لغرض استخدامهم في قمع واضطهاد الآشوريين والأرمن وتهجريهم من أوطانهم إلى خارج أراضي الدولة التركية وإسكان الكرد محلهم.

 The Young Turks Fighters

 ومن سخرية الأقدار أن يستمر الكرد في تقديم خدماتهم العسكرية الكبيرة للترك حتى بعد زوال الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية رغم انتشار الوعي القومي بين قطاعات معينة منهم . يقول المؤرخ الكردي الكبير محمد أمين زكي (كان وزيراً للمالية في العراق أثناء مذابح الآشوريين في سميل عام 1933) في كتابه الموسوعي (تاريخ الكرد وكردستان) الذي كتبه عام 1931 وترجم إلى العربية عام 1936 وطبع في القاهرة، يقول بأنه لما زالت كلمة (العثماني) العامة من الوجود في تركيا، وهي الكلمة الشاملة لجميع العناصر والشعوب الخاضعة للدولة العثمانية والتي كانت قد خدرت نوعا ما أعصاب كل واحد منا نحن أبناء القوميات الأخرى، وحلت محلها كلمتا التركي و الطوراني،  شعرت أنا أيضا بطبيعة الحال، كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية ، شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة من الترك فحملني ذلك على إظهار الشعور القومي الفياض والإحساس بالعاطفة الوطنية القوية (من مقدمة الكتاب )، وهو الشعور الذي كان يعم بين العديد من المثقفين الكرد وبين بعض شيوخ العشائر الكردية التي طالبت بحق الكرد في تقرير مصيرهم القومي وتأسيس دولة كردية لهم والذين كانوا قد قدموا مطالبهم وأرسلوا الوفود إلى مؤتمر السلام في فرساي بفرنسا (1919-1920 )، إلا أنه مع هذا كله أستمر وبشكل عام معظم الكرد في مساندة الترك وتقديم خدماتهم لإنجاح الحركة القومية  التركية وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة حيث شاركوا مشاركة فعالة في توطيد أركان النظام التركي الجديد وفي القتال ضد الآشوريين والأرمن وضد القوات الروسية حتى تمكنوا من إفشال معاهدة سفير (1920) وانتعاش " التركي الميت " كما يقول زكي (ص268) ومن ثم إحلال محلها معاهدة لوزان (1923) والقاضية بموت كل من أرمينيا الكبرى وكردستان المصغرة ومن ثم بروز تركيا بقيادة كمال أتاتورك كقوة فاعلة ورئيسية في المنطقة وقادرة على مفاوضة الإنكليز والفرنسيين لضمان استقرار حكمها، وبالمقابل لم يحصل الكرد إلا مزيداً من الاستبداد والظلم والحرمان من أبسط حقوقهم القومية، بما فيها منعهم من التكلم والتعلم بلغتهم الكردية، لأنه لم يعترف بهم كقومية كردية بل اعتبروهم  مجرد أتراك الجبال.

 

وبعد استقرار الأوضاع وتوقيع المعاهدات وإقرار تسويات الحدود بين دول المنطقة والدول المنتدبة عليها من قبل عصبة الأمم والتطورات التي مرت بها شعوبها، لم تتمكن الحركة القومية الكردية  الإفلات من نفس العوامل السابقة المتحكمة في تقرير طبيعتها والتقيد بها، خاصة في الدولتين الإيرانية والتركية باعتبارهما دولتان مسلمتان، لا بل وعلى العكس من هذا حيث ظهر الإقليم السياسي كعنصر إضافي وحاسم ومؤثر في سياق تطور هذه الحركة نحو إقامة الدولة الكردية، إذ تقولب الكرد وحركتهم السياسية طبقاً للدول التي تشكلت حدودها بعد الحرب الكونية الأولى وجزأت الشعب الكردي إلى أجزاء تفصله حدود سياسية صارمة، خاصة في بداية هذا القرن حيث أصبحت مسألة السيادة أكثر قدسية بالنسبة للدول الجديدة في  المنطقة،  فسارت حركة كل جزء من الشعب الكردي متأثرة بالعوامل السياسية الخاصة والمحيطة بالدولة التي عاشوا تحت سلطتها. ففي العراق، الذي برز كيانه السياسي في عام 1920، استمرت الحركة الكردية  كحركة إقليمية أو "قطرية" ولكن من دون أن تستطيع الخلاص من تأثير العوامل السابقة المتحكمة فيها، إذ استمر شيوخ العشائر في قيادة الحركة الكردية وتأسيس دولتهم، كما كان الحال مع الشيخ محمود الحفيد ومملكته في مدينة السليمانية في شمال العراق في عام 1922 والتي لم تستمر أكثر من سبعة أشهر، واليوم أيضا تنعكس هذه الحقيقية في القيادات العشائرية للبرازنيين والطالبانيين المتحكمة في الحركة الكردية المعاصر وفي الاقتتال أو الخصومة بينهم وفي عدم قدرتهم على الوصول إلى الحد الأدنى المحقق للمصلحة القومية الكردية. هذا ناهيك عن العامل الإقليمي الذي أصبح عنصراً متغلباً ومؤثراً في العلاقة المتنافرة والمتقاتلة بين الحركة الكردية في العراق مع مثيلاتها في تركيا وإيران.

 

أما بالنسبة لعامل الدين، فهو أستمر أيضا يلعب دوره السابق المؤثر في  الحركة الكردية،  إذ أن خضوع الأكراد في  العراق إلى الحكم البريطاني المتمثل في نظام الانتداب ومن ثم إدارة البلاد عن طريقة حكومة عربية على رأسها ملك عربي، كانت بالنسبة لهم ظاهرة جديدة  جعلتهم ولأول مرة في التاريخ أن يخضعوا لحاكم غير مسلم، بريطانيا، وأن تدار شؤونهم  من قبل حكومة عربية بعد قرون طويلة، إذ أن طيلة تاريخهم تعودوا الخضوع إلى حكومات مسلمة وإلى عناصر آرية أقرب إليهم من العناصر السامية. وقد يكون ذلك سبباً لتأييد العشائر الكردية، باستثناء قليل في السليمانية، انضمام ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق في بداية العشرينات، وكان من بينهم شخصيات وزعماء أمثال فتاح بك صهر الشيخ محمود الحفيد ، الذي كان يحمل شهادة الجنسية العراقية ولكنه كان عضواً ضمن الوفد التركي المفاوض حول تقرير مصير الولاية ومدافع عن حق تركيا في هذه الولاية بدلا عن العراق. هذه الظروف هي التي ساهمت مساهمة مباشرة في بروز الحركة الكردية المعاصرة في العراق ومن ثم تبلورها وتطورها نحو مراحل سياسية أكثر وضوحاً وتقدماً، في مقارنتها مع مثيلتيها في إيران وتركيا، خاصة فيما يتعلق بتأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية وقيامهم بحركات مسلحة ضد السلطة المركزية استمرت لفترات طويلة في  مقارنة مع الحروب والحركات السابقة، ومن ثم الوصول إلى الحكم الذاتي في عام1970 وحكومة إقليمية وبرلمان في عام 1992. وبسبب التأثير الديني في العقلية الكردية، فهناك احتمال كبير بأن الظروف المحيطة بالكرد في شمال العراق سوف تصبح أرض خصبة للحركات والنزعات الإسلامية المتطرفة، خاصة عندما يزول أو يخف الدعم الدولي والإقليمي في حماية المنطقة الآمنة وتتضاءل حملات ضد الإرهاب الدولي المتمثل جانب منه في الحركات الإسلامية المتطرفة، والتي بدأت تنشط في هذه الأيام ويتوسع نفوذها وقوتها في المنطقة الشمالية من العراق وتتحدى القوى الكردية الرئيسية الأخرى.

 

وهكذا، بقدر اطراد استقرار الحدود الدولية بين الدول الرئيسية، تركيا وإيران والعراق الحاوية على أراضي "كردستان"، وإقرار هذه الحدود في تسويات واتفاقيات معترفة بين الأطراف ومحققة لمصالحهم الخاصة، بقدر ذلك تعاظم تأثير عنصر الإقليم أو القطر على الحركة الكردية، ليس من حيث تغيير مسارها القومي وتحويل مطامح تأسيس دولة كردية إلى مجرد يوتوبيا و"حلم وردي" فحسب، وإنما زادت الإقليمية من خطورة هذه الحركة على هذه الدول الرئيسية، بحيث أصبح مدركاً للجميع بأن أي استقلال كردي في أي من الأقطار مهما كان نطاقه سيؤثر حتماً وبالنتيجة المباشرة على الكرد في القطر المجاور ويدفعهم نحو نفس المنحى، وبالتالي ظهور بواد نحو المطالبة بالاستقلال بالجزء الآخر من "كردستان" في الدولة الأخرى والانسلاخ منها لغرض تحقيق حلم "كردستان الكبرى"، خاصة وأن العاملين الجغرافي والديموغرافي، من تجاور الأقاليم وتركز السكان في مناطق متاخمة لبعضها،   يساعدان كثيرا على تحقيق مثل هذه الدولة، والتي ستكون من دون أدنى شك على حساب أراض الدول الثلاث الأخرى، إيران وتركيا وسوريا، وهو السبب الكافي لأن تكون مواقف هذه الدول مفرطة في الحساسية ومعارضة بشدة لأي نوع من الاستقلال الكردي. والجدير بالذكر أن الخوف من وحدة الكرد وبالتالي قيام الدولة الكردية، كان مدركاً منذ أيام كون بريطانيا القوة الفاعلة في المنطقة والتي عملت الكثير  من أجل دون تحقيقها وتضمين ذلك في اتفاقيات دولية. يقول الضابط البريطاني ( دبليو. آر. هاي ) في كتابه المعنون ( سنتان في كردستان ) المطبوع في لندن عام 1921، والذي زار المنطقة ودرس طبائع الشعب الكردي، يقول ( أن اليوم الذي يستيقظ الكرد وبوعي قومي ويتوحدون سوف تتفتت أمامهم الدولة التركية والفارسية والعربية، ويقصد العراق، وتتطاير كالغبار، ولكن مثل هذا اليوم لا يزال بعيد المنال ) ص36.

 

ومثل هذا الخوف، الذي بأستمراره وتصاعده وتفاعله مع ظروف إقليمية ودولية، قد تحول إلى نوع من العقدة تجاه مطالبة الكرد بحقوقهم القومية، وهي التي تتحكم في سلوك صانع القرار السياسي لدول المحور الثلاثي المركزي لكردستان، عراق وإيران وتركيا وحتى سورية، في رسم وتقرير سياسة أمنهم القومي . فجانب من هذا السلوك الجامع والمقلق يمكن استخلاصه من  الحديث المتلفز لرئيس النظام العراقي صدام حسين في معرض رده  لبوادر الاستقلال الكردي، عندما سحب قواته عام 1991 من شمال خط العرض 36 وخضعت للحماية الدولية وبدأ الكرد بتأسيس حكومتهم الأقلية، حين قال بأنه قبل أن يحرك قواته لسحق أي استقلال كردي عن العراق سوف تكون القوات التركية والإيرانية قد سبقته في هذه المهمة. وفعلاً فأن الاجتياح المستمر للقوات التركية لشمال العراق وتدخل إيران في شؤون المنطقة لاحتواء الاستقلال الكردي النسبي ضمن نطاقه الضيق يعكس هذه الحقيقة، كما وأن الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها إيران وتركيا وسوريا في الشأن الكردي كانت تدور ضمن نفس السياق القائم على التخوف من الاستقلال الكردي في شمال العراق .

 

واليوم، ومن أي يوم مضى، تدرك قيادات الحركة الكردية القومية كل هذه الحقائق وتحاول أن تحقق جانب من طموحاتها القومية ضمن الأطر المسموح بها والعمل على عدم التضحية بالمطمح الممكن من أجل المطمح غير الممكن، لا بل ويظهر بأن قيادتها تدرك أيضا بأن سكب المزيد من الدماء وإزهاق الكثير من الأرواح من جراء اللهث وراء تحقيق  مطمح دولة "كردستان الكبرى" اليوتوبية غير ممكن في الوضع الراهن المقيد بقيود صارمة مفروضة من قبل ثلاث دول يغلب عليهم عنصر القوة أكثر من عنصر التفاهم في التعامل مع الاختلاف القومي، وأن السعي وراء المطمح البعيد المنال  سوف يحرمهم من تحقيق المطمح القريب والذي يتمثل جانب منه بالفدرالية فيما يخص العراق وفي تصريحات القياديين الكرد في اعتبار "الدولة الكردية" مشروعاً مؤجلاً في الوقت الحاضر. وفي تركيا تتمثل هذه الواقعية في دعوات عبدالله أوجلان، قبل اعتقاله بقليل وحتى بعده، في التفاوض حول الحقوق الكردية ضمن تركيا والتخلي عن مشروع الانفصال وإقامة الدولة الكردية، وهي كخطوة أولى نحو الاستقرار وضمان حقوقهم المشروعة والتي ظلت وعلى الدوام مهضومة من قبل الحكومات التي خدموها كثيراً عبر التاريخ الطويل ولم يحصلوا بالمقابل إلا المزيد من الظلم والاضطهاد الذي حول الحق المشروع للكرد في دولة مستقلة إلى مجرد يوتوبيا.