Nation’s
Tribulations and Hopes
A
Message to Amira
همـوم
الأمة وآمـالها
في
رسالة إلى أميرة
أبرم
شبيرا- لندن
توضيح:
لي صديق قريب لي من الناحية
الفكرية ولكن فضولي جداً ويحاول أن يعرف ما في جعبتي وحشر نفسه في ما أكتبه، ولا
أنكر بأن لتصرفه هذا دوراً كبيرا في تقويم بعض ما أكتبه وتصحيح مساره. وذات يوم
وبينما كنت أنقر على مفاتيح الكومبيوتر، كان صديقي الفضولي يمدد رقبته تمديداً
ويحدق بعينيه تحديقاً على شاشتي الصغيرة فتجاهلته تاركا له المجال ليشفي غليله لحين
الانتهاء من الكتابة. وما أن انتهيت حتى سحب صديقي نفسه ورجعتا رقبته وعينيه إلى
حالتهما الطبيعيتين ترافقهما حسرة ونفس طويل. قلت له: ما الأمر؟. فقال: أعرف أنك
تكتب رسالة شخصية إلى السيدة أميره بيت شموئيل صاحبة جريدة(إيمامة) التي تصدرها من
كندا ولكن أعتقد بأنه نظراً لأهمية المواضيع المتناولة في الرسالة وسخونة مضامينها
على الساحة الآشورية في هذا اليوم من جهة، ولكونها مواضيع لا تخص جريدة إيمامة فحسب
وإنما هي مواضيع مهمة ومعنية بجميع المطبوعات والمؤسسات والأحزاب الآشورية من جهة
أخرى، لهذا فأنا أقترح أن تنشرها كما هي وعلى صفحات المجلات ومواقع الإنترنيت
الآشورية لكي يتسنى للمعنيين من الآشوريين أفراداً ومؤسسات وأحزاب الإطلاع عليها،
لأن أية مجلة أو جريدة آشورية، سواء أكانت(إيمامة) أو غيرها، لا يمكن أن تغطي عدد
كبير من القراء الآشوريين إلا بحدود قليل. تمعنت في رأي صديقي ووجدته إيجابياً ولكن
من دون أن أبدي ذلك بحضوره رغبة مني في أن أجعل الأمر مفاجئة له بإرساله إلى الجهات
الأخرى لنشره، لذا لم أجد ضير أو جهد مضاف في تحقيق هذه الرغبة غير تعديل بعض
السطور وإعادة صياغتها. وأمل أن تعجب صديقي هذه المفاجئة كما أمل من القراء أن
يشاطروا فكرة صديقي الفضولي ويعجبهم مضمون هذه الرسالة.
تحية آشورية،
قبل كل شيء أود أن أهنئك على الشجاعة
والجرأة الباديتان على مجلتك "إيمامه"، وإنني سعيد بأن أسمع مرة أخرى عن أخباركم
هناك، خاصة النجاح الكبير والصدى المدوي الذي حققتها مسرحيتك "سفينة بابل الفضائية
في نينوى". أنها فرصة لأعبر عما يجول في أعماقي تجاه أمتي العزيزة وما يتعلق بمسيرة
"إيمامة" الشائكة.
إنني كإنسان آشوري يسعى بإمكانياته
المحدودة العمل كل ما هو خير لأمتي، ولكن مؤمن إيماناً صادقاً، كما يؤمن غيري من
الآشوريين المتنورين، بأنه لا يوجد فرد واحد يمكن أن يعمل كل شيء لأبناء الأمة، بل
يجب أن يقر وأن يعترف وأن يعمل على ضوء كاشف لحقيقة تؤكد بأن هناك العشرات بل
المئات من الآشوريين الخيرين السائرون على نفس دروب النضال والكفاح في دفع عجلة الأمة الآشورية نحو الأمام
وكل من جانبه أو من موقعه الخاص. ونفس المنطق ينطبق كلياً على الأحزاب والمؤسسات
القومية، فلا يمكن لأي حزب مهما كان حجمه وقوته أن يحقق أهداف الأمة وحده، ومن
يعتقد ذلك فهو واهم وسابح في بحر الأحلام الرومانسية. من هذا المنطلق أقول بأن كل
ما يصدر من هؤلاء الخيرين من أعمال ونتاجات فكرية وسياسية وثقافية أعتبرها جزء من
إنتاجي وأعمالي كما أعتبرها ملكي الحقيقي لأنها فعلاً تساعدني على خدمة نفس الهدف
المشترك الذي أعمل أنا أيضا من أجله، فكل نجاح تحققها يفرحني وكل إخفاق يصيبها
يؤلمني لأنني أعتبر نفسي جزء منها، سواء أتفق أصحابها معي أم لم يتفقوا فهذا شأنهم
الخاص، أما موقفي وشعوري تجاه ما تفعله المؤسسات أو الشخصيات الآشورية من خير لهذه
الأمة يبقى عندي كما هو دون تغيير، فهكذا هو موقفي مع كل عمل خير يعمله زوعا أو
مطكستا أو بيت نهرين أو خويادا أو أية مجلة أو مؤسسة آشورية، فواجبي القومي يدعوني
ويلزمني بأن أسند وأشجع وأيضاً أن أدافع عن هذه المؤسسات القومية في عملها النزيه
تجاه أمتنا الآشورية، وهو واجب ملزم أيضاً لكل آشوري يعتز بأمته
الآشورية.
ولكن مع الآسف الشديد، هناك حقيقة
مأساوية ومريرة تحكم عقول الآشوريين في هذه الأيام، وهي سيطرة "المطلق" على
تفكير بعضهم، خاصة المهتمين بشؤون الأمة، أي بعبارة أخرى، فإما أنت وفي جميع
الأماكن والأزمان ملاك كامل أو أنت شيطان كامل، أو إما أنت دائماً صحيح مائة
بالمائة أو مخطأ دائماً وأيضاً مائة بالمائة. ونحن نعرف كما يعرف الجميع، بأنه لا
توجد أمة أبناؤها كلهم ملائكة أو كلهم شياطين، لا بل ولا توجد في الذات الإنسانية
أو في نشاط الإنسان أو سلوكه صفات ملائكية كاملة أو صفات شيطانية كاملة، فالجمع بينهما قانون قائم على النظرية
النسبية، يتقرر ملائكية الإنسان أو شيطانيته بنسب مختلفة في كل إنسان. أي بعبارة
أخرى، لا وجود للكمال والمطلق في نشاط الإنسان، وبصورة أدق، لا نجاح مطلق ولا فشل
مطلق، فالإنسان المعاصر نفسه كظاهرة لتطور الحياة والكون والمجتمع، ليس بالضرورة أن
يكون في جميع خطواته سائراً إلى الأمام بل يتخلل ذلك خطوات تراجعية وإخفاقات. أن
صفة الإنسان المتطور والمتقدم يكتسبها من خلال التجربة والتعلم من التجارب المخفقة
للحيلولة دون تكرارها في مسيرته التطورية. فالتطور نفسه ليس خطوات دائمة إلى الأمام
بل فيه أيضاً خطوات إلى الوراء، فهو المحصلة النهائية لمجموعة من الخطوات الأمامية
والتراجعية، وربما يصح التعبير في القول بأن التطور هو خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى
الوراء. إذاً، ووفق هذا المنطق، نقول بأنه لا يوجد في الكون ولا في التاريخ إنسان
لم يتعرض في نشاطه إلى الفشل والإخفاق، بل هو جزء من هذا النشاط ملتصق به ويشكل
للإنسان العاقل والمقدام والجريء عامل أو حافز قوي لاستمرار تقدمه وتأكيد نجاحه،
فالمطلق والشمول صفات إلهية لا تنطبق على الإنسان.
لقد درست أكاديمياً علم السياسة
لمدة سبع سنوات وتوصلت إلى قناعات تؤكد بأنه لا يوجد مطلق في السياسة إلا في
المصلحة العليا للأمة، أي المبادئ الجوهرية التي لا تقبل المساومة أو التفاوض. فعلى
سبيل المثال أن انتماءي القومي هو
آشوري، وهو مبنياً على المطلق ولا يمكن أن أقبل أن أكون غير ذلك لأنه إفناء
لي ولأمتي، حينذاك لا يبقى لا المطلق ولا النسبي. أما المسائل الأخرى المتعلقة بهذه
المصلحة العليا، من أفكار ومبادئ ومواقف ونشاطات والوسائل التي يلجأ إليها الأشخاص
والأحزاب والمنظمات القومية، فهي ذات طبيعة نسبية قابلة للتطور والتغير، وقابلة
أيضا للاختلاف عليها وتعدد الآراء حولها، وهي التي تشكل العنصر الأساسي والحضاري
لوسيلة تنظيم أمور الإنسان ونشاطه في عصر هذا اليوم والتي تعرف بالديمقراطية أو
التعددية. وعكس ذلك، فإذا دخل
الإنسان عالم المطلق، أي إما "أنا" ولا غيري أو "حزبي" ولا غيره أو "مجلتي" ولا
غيرها، ولا يقر بالاختلاف المشروع في الرأي والنشاط، فنكون حينذاك إزاء حالة سقيمة
ومقرفة نعرفها جمعياً بالدكتاتورية أو الفردية، والتي ستقود الأمة، عاجلاً أم
آجلاً، إلى عجز أو فشل في تحقيق مصلحتها، وهي الظاهرة التي تتحكم بشكل عام في أمور
بعض جوانب حياتنا القومية في عصر هذا اليوم وتسير نشاطات غالبية مؤسساتنا القومية
وأحزابنا السياسية. لهذا السبب نرى بأن الكثير منها عجزت، أو تعجز، في تحقيق الحد
الأدنى من المصلحة القومية العليا، لا بل وتخفق كل محاولات الاتحادات والتحالفات
بينهم لأنه، رغم دخولهم في "اتفاق ورقي أو كلامي أو خطابي" لا أكثر ولا أقل، فأن
ذاتهم المطلقة والعليا تبقى من الناحية العملية والفعلية فوق جميع الاعتبارات وفوق
المصلحة العامة للأمة نفسها، فالتنازل، ولو بحجم "البرطانه – البرغوث" إهانة لزعماء هذه الأحزاب والمؤسسات، والتمسك بالصغير إلى
جانب الكبير أو بالحقير إلى جانب النبيل أو بالأسلوب المطلق إلى جانب المبدأ
المطلق، بطولة يثنى عليه بترقية
حزبية، أو بتربيت على الكتف من المنافقين والدجالين.
ومن الظواهر العجيبة والغريبة في
مجتمعنا، خاصة في مجال العمل القومي السياسي، وتحديداً الأحزاب والمؤسسات القومية،
هو إنهم رغم مضي عقود طويلة على نصب خيامهم في المهجر ودعواتهم، والأصح صراخهم
للتمسك بالديمقراطية والقيم النبيلة التي تفرزها مجتمعات المهجر ومشاركة بعضهم في
المعارضة العراقية لإسقاط النظام الدكتاتوري في بغداد، إلا أنه مع هذا ما يزال
هؤلاء يقلدون هذا النظام وغيره من الأنظمة الاستبدادية والفردية الشرق أوسطية في
أساليب حكمهم الاستبدادي، وخاصة في معنى الديمقراطية الذي أعطاه القذافي زعيم ليبيا
عندما قال بأن (Democracy) هي كلمة أصلها عربي ومعناها (ديمو كراسي) أي الاستمرار والإدامة في كرسي
الحكم لمدى الحياة، وهو ما يطبقه اليوم على زعماء أحزابنا السياسية ومؤسساتنا
القومية وحتى الكنسية. وحتى نكون أكثر أنصافاً بحقهم، يجب أن لا ننسى "ديمقراطيتهم"
التي بواسطتها يوسعون في بعض الأحيان من "أنا المطلقة والعليا" التي تسيطر على
عقولهم ليشمل العرش أخوتهم أو أبناء عمومهم أو أنسابهم، أو يورثوهم لفترة مهمة
"السكرتير العام" أو "زعيم الحزب" كأسلوب لخداع الآشوريين بأنه أسلوب ديمقراطي في
تناقل السلطة، في الوقت الذي يبقى هو مصدر كل القرارات. ولا ندري هنا من يقلد من،
هل الحكام
المستبدين المسلطين على رقاب أمتنا في وطننا الأم الذين خلقوا "الجمهوريات
الوراثية" هم الذين يقلدون زعماء الأحزاب الآشورية أم العكس ؟. الأمر العجيب أنه
نقلد الأنظمة الاستبدادية التي نلعنها ليل نهار وندعي بأننا هربنا من نيران استبداد
حكمها وتشردنا من وطننا ولجأنا إلى الغرب وأسسنا أحزابنا ومؤسساتنا ونطالب الناس
بأن يكونوا ديمقراطيين في حياتهم القومية والشخصية، ولكن نغلق عيوننا غلقاً محكماً
ولا نرى الأساليب الحضارية والإنسانية في انتقال السلطة في المجتمعات الغربية ولا
نقلدها حتى في القليل منها. كم من زعماء الأحزاب في المجتمعات الغربية رشحوا أنفسهم
لمناصب سياسية وحكومية ولكن عند إخفاقهم في تحقيق مطمحهم هذا يلجئون إما إلى عوائلهم متقاعدين عن الحياة السياسية
أو يستمرون في خدمة حزبهم ولكن من مواقع أخرى أدنى من السابق تاركاً في زعامة الحزب
لغيره. أما بالنسبة لنا فإذا فشل ترشيح أحدهم لمنصب زعامة الحزب أو لعضوية لجنته
المركزية أو حتى لرئاسة أو عضوية هيئة إدارية في نادي أو مؤسسة فأنه سرعان ما ينطلق
بركان غضبه وهجماته وشتائمه على ذلك الحزب أو هذه المؤسسة متهماً إياهم بشتى التهم
التي قلما نجد مثيلاً لها في القاموس السياسي، فينتهي جام غضبه إما إلى تأسيس حزب
آخر معارض لحزبه الأصلي ويزيد بذلك نعمة "التعددية الحزبية الآشورية" فيظل يتحجج
بها وبغيرها من المفاهيم الديمقراطية، أو ينتهي نهائياً من الحياة السياسية
والقومية وينضم إلى "حزب الأغلبية الصامتة"، أقوى الأحزاب الآشورية في عصر
هذا اليوم… أليس هذا أمراً
عجيباً وغريباً ومسألة محيرة يتطلبها أبحاث نفسية سيكولوجية ودراسات اجتماعية
سوسيولوجية قبل أن نناقشها سياسياً وحقوقياً؟؟… بلى
والله.
هذه الحقيقية تفرز حقيقة أخرى مفادها أن
إرضاء جميع أبناء الأمة (للتأكيد المشدد أكرر كلمة الجميع)، يعد أمراً مستحيلاً
ومستحيلاً. أي أنه لا يوجد في التاريخ والعالم المعاصر شخص أو حزب أو مؤسسة أو
حكومة استطاعت إرضاء جميع الناس،
فهذه حالة مطلقة لا وجود لها في عالم الواقع. ومثل هذا الإرضاء المطلق لا نجده إلا
في "خزعبلات" حكام بعض بلدان العالم الثالث والشرق الأوسط، ومنها في وطننا الأم
"بيت نهرين" حيث يضفون الحكام المستبدون على أنفسهم وعلى حكمهم الصفة الإلهية
المطلقة التي لا تقبل النقاش أو اختلاف الرأي حولها لأن باعتقادهم جميع الناس وعلى
الإطلاق راضين عن الحكم وينعمون بخيراته، وإلا فالمقصلة بانتظار المخالف أو المختلف
أو من يدعي عكس ذلك. فمن المبكي
والمضحك في آن واحد، أن بعض أبناء أمتنا يريدون من العاملين في المجال القومي أن
يكون "آله" أو يتمتعون بصفة المطلق والشمول بحيث يعملون ولا يخطئون ويحققون ما
ترغبه ذاتهم النرجسية المريضة، وإذا أخطأ أي شخص أو حزب أو تلكأت أية مجلة في
الصدور أو نشرت موضوعاً "ثقيلا" على معدته النتنة، انهالت اللعنات والسباب
والاهانات على الحزب أو المؤسسة أو على ناشر الجريدة أو كاتب الموضوع عاكساً بذلك
مرضه النفسي الاجتماعي في رفض الخير والشر معاً ناظراً للحقيقة بعيون غير مدركة أو
غير قابلة للتمييز بين المفيد والمضر، أي عاجزاً عن التمييز بين الملائكة
والشياطين. من هنا أقول، أن الإنسان الآشوري المؤمن إيماناً قوياً برسالة أمته
الآشورية وبحقها المشروع في الحياة كأمة لها مقوماتها الخاصة بها، أن يستفاد لا من
النقد البناء فحسب، بل وأيضا من طعنات أبناء الأمة التي يجب أن تكون دافعاً وحافزاً
قوياً له لمواصلة المسيرة من دون تردد أو تراجع، كما حدث بالنسبة لبعض المثقفين
وأنصاف المثقفين الذين بمجرد أن وجه لهم نقد أن شتيمة أو إهانة حتى هربوا وولوا
هاربين إلى بيوتهم خانعين حيث يبدأ
هم أنفسهم بلعنة الأمة التي لا تقدر ولا تثمن مثقفيها أو مفكريها أو كتابها، وهو
أكبر هدف يسعى إليه أعداء الأمة ومن لفهم من الطائفيين والعشائريين في تحييد أو تجريد الأمة من مفكريها
وكتابها وخلق فيهم حالة من اليأس والقنوط والتسيب والسلبية لكي تصبح الأمة بدون فكر
أو وعي أو نشاط ويصبها الشلل حتى يسهل عليهم الانقضاض عليها وإبقائها أشلاء أشلاء.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، لي صديق يمتلك موهبة فائقة في الكتابة والتأليف وله
تأثير على الساحة الثقافية والفكرية الآشورية زارني ذات يوم وقال لي: أستغرب كثيراً
كيف تستطيع الاستمرار في الكتابة وفي نشاطك القومي وهناك من ينتقدك بحدة ويتهجم
عليك ؟. قلت له: وما الضير في ذلك، بل على العكس من هذا فأن هذا يدفعني أكثر فأكثر
نحو استمرار العطاء لأبناء أمتي. فرد وقال وبنوع من الانكسار الذاتي: أنا لا أستطيع
تحمل ذلك لهذا السبب بطلت عن الكتابة وركنت عن أي نشاط قومي أو ثقافي. واليوم صديقي
قابع في البيت لا يكتب حرفاً واحداً ولا يحضر نشاطاً ثقافياً أو قومياً أو يشارك
فيه. لقد خسرت الأمة بهذا التصرف مثقفاً ومفكراً كانت بأمس الحاجة إليه وربح أعداء
الأمة جولة في معركة نزع سلاحها الفكري كما كسب "حزب الأغلبية الصامتة" عضواً
مهماً. أن وجود الشيطان وحلفائهم من بين أبناء الأمة حالة طبيعية ولكن غير صحية،
كالأمراض بالضبط، يجب أن لا نتقزز أو
نهرب منها بل يجب أن نقر ونعترف بها ثم نتحصن ضدها ونتعامل معها بحكمة بحيث نخفف
وبقدر المستطاع من شرورها المؤلمة على نفسية أبناء الأمة البسطاء، أما محاولة محو الشيطان من الوجود فهي
حالة مستحيلة، لا بل ومعركة خاسرة يجب أن نتجنبها.
من هنا أقول، يا أختي العزيزة أميرة،
أقول وبملء الفم بأنه يجب أن لا نتوقع من عملنا القومي، مهما كان صغيراً أم كبيرا،
إرضاء جميع الناس ونيل "التصفيق" منهم، فهذا هدف يجب أن لا نحلم به حتى في أحلامنا
الوردية، فالمهم هو مواصلة المسيرة مهما كشر الشيطان أسنانه. إنه يسعدني جداً أن
أرى جريدتك الرائعة، نعم الرائعة حتى ولو كانت صفحة واحدة، أن تواصل المسيرة رغم
الأمطار الهائلة من النقد والتهجمات والعثرات التي تعتري طريقها وأسعدني أكثر عندما
تصفحتها عبر شاشة الكومبيوتر ولمست الإصرار الذي لا يهاب سهام الشياطين وسموم
الأفاعي، وهذا هو الصواب بعينه. لقد سمعنا في صغرنا المثل القائل "القافلة تسير
والكلاب تنبح" واليوم جميل جداً أن ينطبق هذا في أعمال بعض من شرفاء الأمة الذين لا
يهابون نباح الكلاب ولا يضيعون وقتهم وجهودهم في مطاردتها أو محاولة إسكاتها.
صدقيني، يا أختي العزيزة، أنا شخصياً نلت في السنوات الأخير قسطاً كبيراً من هذه
الشتائم والإهانات ولكن كانت بالنسبة لي مجرد فقاعات في الهواء تنفجر وتتلاشى بمجرد
أن تلمس الهواء النقي وحرارة همتي وإصراري على مواصلة العمل لأبناء أمتي. وأرجو أن
لا أكون أنانياً أو نرجسياً وأقول بأن إنتاجي في السنوات الأخيرة زاد أضعاف وأضعاف،
لا بل ويسعدني جداً أن أقول بأنه تم الاتفاق مؤخراً مع أكبر دار للطباعة والنشر في
لندن وبيروت على طبع كتاب جديد لي سيكون مفاجئة ليس للآشوريين وحدهم وإنما لغيرهم
أيضاً، والذي من المتوقع أن يكون بين أيدي القراء في خلال الشهور القادم، وأنا يقين
جداً بأن هذا العمل سيزيد فرحة الفارحين كما سيزيد حقد الحاقدين أيضاً وما هذا إلا
بفضل، ليس الذين يقدرون ويثمنون ما أكتبه فحسب، فلهم كل الشكر والامتنان، وإنما
أيضا تحدياً ومواجهة لنباح الكلاب، فهذا الأسلوب، أي في زيادة الإنتاج الفكري
والقومي ومواصلة مسيرة الأمة، هو الرد الصحيح والفاعل لهم وليس الدخول في مهاترات
ومناقشات عقيمة لا طائل منها لأن هدف الشياطين هو جر الفاعلين والخيرين من أبناء
الأمة لخوض معركة خاسرة يفقدون فيها وقتهم وجهدهم وعزيمتهم وهو نفس هدف أعداء الأمة
في تجريدها من سلاحها الفكري الفعال والمتاح لها في عصر هذا
اليوم.
وأخيراً، أود أن أوجه رسالة إلى كل النشيطين من
الآشوريين الذين يستحقون هذه التسمية العظيمة، لأكد لهم القول بأنه يجب على الجميع،
وأنا في مقدمتهم، أن لا نوقع إطلاقاً أن نقطف ثمار أعمالنا القومية يوم غد أو بعد
أسبوع أو حتى بعد سنة أو عشرات السنوات، فتحقيق أهداف العمل القومي يتطلبه وقت طويل
ليس بالضرورة أن يقطفوا هم أو الأجيال الحالية ثمارها، بل المهم والضروري جداً هو
أن نخلق في أبناء الأمة، حتى ولو كانوا نفراً قليلاً جداً، أن نخلق فيهم أملاً
قوياً بأن يوم خلاص أمتنا آتي لا محال منه سواء أكان يوم غد أم بعد ألف عام. هذه
الحالة تذكرني بـ "بروفيسورنا" الذي كان بحكم تواجده في لندن واهتمامنا المشترك في
الشؤون الثقافية نتبادل الزيارات والمناقشات بشأن أمتنا ونشترك أحياناً سوية في بعض
النشاطات. وبعد فترة من الزمن وجدت بأن اهتمامه بالشؤون القومية قلً وتباعد عن سالف
عهده المعروف به وبدأ يركز كل اهتمامه وكتاباته على المسلمين وتاريخهم في الاتحاد
السوفيتي. وعندما سألته عن سبب هذا التحول الكبير، فرد وقال وبنوع من الانفعال:
"لقد كتب أطروحتي الجامعية للماجستير والدكتوراه عن الآشوريين كما ألفت ثلاثة عشر
كتاباً وكتب عشرات أخرى من المقالات والبحوث عنهم إلا إنني وجدت كل هذا هباء وغير
ذي نفع لأن الآشوريين أمة لا تستحق كل هذا الجهد !! في حين هناك غيرهم من يقدر
جهودي ويدفع مقابلها ما أحتاج إليه في هذه الحياة الصعبة". وفي إحدى الأمسيات زرته
في بيته وإذ أجده منشغلاً بتحزيم حقائبه بالأمتعة وتعبئة صناديقه بالكتب والملفات،
فقلت له "ما الأمر يا بروفيسور… هل أنت مسافر"؟.
فرد وقال: "نعم لقد تلقيت عرضاً مغرياً من مؤسسة في لندن للرجوع إلى موسكو وتأسيس
هناك أكاديمية إسلامية وإنني مسافر إلى هناك خلال اليومين القادمين". فإذا كانت
الظروف الصعبة في الاتحاد السوفيتي سابقاً قد أملت على "بروفيسورنا" هذه المواقف،
فإن الأمر المحير هو مع غيره من البروفيسوريين الآشوريين وحملة الشهادات العليا
المتخصصة والمقيمين في أوربا وأميركا والذين يتهربون من خدمة هذه الأمة ويبخلون
عليها حتى بالشيء القليل. فهؤلاء لا يزالوا يؤكدون في القول بأن بذل أي جهد فكري أو
ثقافي لهذه الأمة لا يوكل الخبر ولا يشبع البطون، في الوقت الذي نعرف جيداً بأن هذه
الدول المتحضرة لا تقبل لأي من كان يعيش على أراضيها أن يموت من الجوع، فالمعاشات
الاجتماعية وضمانات الدولة كفيلة بذلك.
وإذا كان هذا جانب أسود وقاتم من حياة
الأمة المعاصرة، فأنه يستوجب علينا أن لا نخضع له وننسحق تحت وطأة الإحباط واليأس
لأن هناك جانب آخر مشرقاً ومبهراً نعتز ونتفاخر به ويخلق فينا أملاً واندفاعاً
قوياً، فتاريخنا المعاصر زاخراً
بأمثلة على الكثير من المناضلين الآشوريين الذين أزهقوا أرواحهم من أجل أمتهم،
أمثال البطريرك مار بنامين ووالبرفسورآشور يوسف بيت هربوت والمطران توما آودو
والمفكر فريدون أتورايا والجنرال أغا بطرس والمعلم نعوم فائق والصحافي فريد نزها،
وعشرات غيرهم والذين نحن في هذا اليوم نهتدي بخطاهم في طريق العمل القومي ونتعلم
منهم ومن تضحياتهم، فهؤلاء قدموا للأمة تضحيات عظيمة ومن دون أي مقابل ولم يطالبوا
طيلة حياتهم بأي امتياز خاص أو سعوا لمنفعة شخصية. ولماذا نذهب بعيداً ونستشهد
بالماضي البعيد، فلنقترب أكثر إلى عصرنا هذا ونقول لقد ارتوت أرض آشور يوم أمس
بدماء الأبطال الشهداء يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو وفرنسيس شابو وغيرهم
ولكن اليوم أثمرت هذه الأرض بمئات الأطفال الآشوريين الذين يجلسون على مقاعدهم
الدراسية في مدارس نصيبين وأورهي وأربائلوا وآشوربان وغيرها في شمال بيت نهرين
ويدرسون العلوم بلغة الأمة ويحققون هدفاً تاريخياً لم تسجله أمتنا طيلة القرون
الطويلة الماضية. أنهم ثمار تضحيات الشهداء الذين ضحوا بحياتهم بالأمس واليوم يقطف
هؤلاء الصغار الثمار. أنه واجب علينا أن تقتفي أثرهم ونهتدي بنور تضحياتهم في
أعمالنا القومية حتى تثمر ومن ثم يقطف صغار المستقبل ثمارها.
أسأل الله أن يوفقك أنت وجميع العاملين
معك في مجلة إيمامة وأن يبارك ربنا جميع الآشوريين الخيرين العاملين على تحقيق
المفيد لأمتنا الآشورية العظيمة… وإلى اللقاء
.