الهجـرة

 أسبابها وكيفية التعامل معها

**************************

 

أبرم شـبيرا -  لندن

 

هذا الموضوع هو بالأصل فصل مستل من كتاب لـ "أبرم شبيرا" المعنون (محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر) مع بعض التعديلات -  الذي صدر في العام الماضي ( أب/أيلول 2000) من قبل مطبعة ألفا غرافيك ( السيد شـيبا مندو) في شيكاغو الولايات المتحدة الأمريكية.

***************************

 

كل مجتمع يقوم على وحدات اجتماعية تعرف بـ "البنية" والتي تشكل المصدر الأساسي في خلق النظام الاجتماعي وإنشاء السلطة العامة فيه والمؤسسة الرئيسية التي يمارس الحكام سلطتهم من خلالها على المحكومين. وكل بنية اجتماعية تقوم على أسس مادية تكون ومنذ زمن بعيد راسخة في كيان المجتمع تكتسب نوع من الحصانة ضد التغييرات التي تواجهها. فعندما تبدأ هذه الأسس، ولأسباب داخلية وخارجية، بفقدان حصانتها تبدأ، عاجلاً أم آجلاً، بانهيارها ومن ثم انهيار البنية الأساسية للمجتمع فيؤدي ذلك إلى تبعثــر وحداته الاجتماعية في اتجاهات مختلفة، فحالها يشبه حال بناية ضخمة متكونة من عدة طوابق تنهار بمجرد انهيار أسسها الراسخة في تربة الأرض. غير أن الأمر في البنية الاجتماعية أصعب وأعقد بكثير لأنها تتدخل فيها الإرادات الإنسانية المختلفة والمتناقضة وأحياناً المتصارعة، لهذا السبب تصبح مسألة إعادة بناء أسس جديدة له عويصة وشائكة يتخللها الكثير من التناقضات والصراعات بين القيم والأفكار التقليدية القديمة التي كانت تقوم على البنية الأساسية للمجتمع القديم وبين القيم والأفكار الجديدة التي يستوجب القيام عليها أساس المجتمع الحديث.

 

والمجتمع الآشوري قبيل قيام الحرب الكونية الأولى كان يقوم على بنية اجتماعية تمثلت في العشائر بالنسبة لمقاطعة حكاري، وشكلت العشائرية (Tribalism) نزعتها الفكرية والسلوكية، وتمثلت في المناطق والأسر في طورعبدين وماردين ومديات، ديار بكر حاليا, وأورمي، وشكلت المنطقية (Zonal) والأسرية (Familiaism) نزعتها الفكرية والسلوكية. أما في سهول نينوى فقد تمثلت هذه البنية في القرية ونزعتها السلوكية في القريوية (Provincialism). وكانت جميع هذه البنى  تستمد أساسها المادي من أسلوب الإنتاج الزراعي والرعوي، باستثناء قليل في المدن الكبيرة، وتنعكس على مستوى البنية الفوقية والمعروفة بـ (Super Structure) والتي تمثلت في المؤسسة الكنسية وفي رئاستها وهياكلها الدينية، أي الأبرشيات المنتشرة في مناطق رعيتها، وفي توابعها الدنيوية والتي تمثلت في الزعامة العشائرية أي في رئيس العشيرة المعروف بـ "ماليــك"، أو في مختار وإختيارية القرية (بالنسبة لمناطق سهول نينوى )، أو المنطقة أو في الرئيس الأكبر للأسرة (بالنسبة لمناطق ديار بكر وماردين )، والتي كانت الأطر الاجتماعية التي ينشأ الفكر فيها ويمارس السلوك والنشاط العام من خلالها. ومن الملاحظ، من خلال معاينة الواقع الاجتماعي لهذه البنية في المناطق المختلفة، نرى بأن النظام الاجتماعي في منطقة حكاري كان أكثر وضوحاً من بقية الأنظمة الاجتماعية، لأسباب عديدة لا يسع المجال هنا لذكرها بالتفصيل غير القول بأن السبب الرئيسي كان يرجع إلى الاستقلال النسبي الذي كان يتمتع به في تلك الفترة وعزلته عن المؤثرات الخارجية، وبالتالي يمكن أن يكون نموذجاً مثالياً للاعتماد عليه في دراسة البنية الأساسية للنظام الاجتماعي الآشوري في تلك الفترة.

 

عندما أنهار المجتمع الآشوري عقب قيام الحرب العالمية الأولى وأحترق بناء أساسه المادي  بلهيب نيرانه بدأت وحداته الاجتماعية المتمثلة في العشائر والنظام الكنسي ـ العشائري بالتشرذم والتطاير في اتجاهات مختلفة خالقة بذلك حالة من الفوضى والانهيار في معظم جوانب الحياة بحيث جعلت من المؤسسات الكنسية والعشائرية للنظام الاجتماعي أن تفقد قدرتها ووضعها كمؤسسة قومية شاملة وبالتالي تعجز عن  مواجهة القوة الطاردة والمدمرة لتماسك الوحدات الاجتماعية، فحلت من رابطتها الجامعة المنضوية تحت هذا النظام كما تخلت هذه الوحدات عن التزاماتها المجتمعية الشاملة تجاه النظام الاجتماعي الذي أصبح شبه غائب عن الوجود والتأثير، مما أدى ذلك إلى انفلات الوحدات الاجتماعية وانبعاث أفكارها وسلوكياتها المحكومة بنزعات عشائرية وعائلية وفردية والتي حلت محل النسق العام للمجتمع الآشوري الذي أصبح بحكم الغائب.

 

وعندما أنهار هذا النظام الاجتماعي التقليدي لم يكن من السهل أبداً، وطبقاً للإمكانيات الفكرية والمادية الشحيحة للآشوريين والظروف المأساوية التي فرضت عليهم، من إعادة ترتيب البيت الآشوري بما يتلاءم مع الظروف الجديدة التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الأولى، لذلك لم يتمكن رواد الحركة القومية الآشورية، الذين سعوا باحثين ومناضلين من اجل بناء نظام اجتماعي قومي حديث للمجتمع الآشوري يتلاءم مع المستجدات السياسية والفكرية التي برزت بعد الحرب، والذي تمثل جانب منه في مشروعات فريدون أتورايا وأغا بطرس، لم يتمكنوا هؤلاء الرواد من حسم الصراع مع القيم والمعتقدات والمؤسسات والزعامات التقليدية، خاصة عندما تدخل العامل الخارجي المتمثل في التأثير الإنكليزي لصالح الزعامات التقليدية، وبالتالي باتت معظم مشاريعهم القومية الجديدة في دوامة الصراعات الداخلية والخارجية حتى وصلت إلى نهايات مأساوية لعبت جملة عوامل داخلية وخارجية دوراً كبيرا فيها ومؤثراً عليها تجاوزت حدود إمكانيات الحركة القومية الآشورية التي نشأت لتوها في مجتمع كان نصيبه من مأساة الحرب ونتائجه أكبر مما يتحمله أي مجتمع أخر، فقادت كل هذه الظروف إلى أن يعيش الآشوريون في أجواء لا يجمعهم نظام اجتماعي شامل (قومي) يلم وينظم الوحدات الاجتماعية الثانوية (العشائر) في وحدة متناسقة تتماثل مع ظروفهم القومية والوطنية الجديدة، وبالتالي أصبحوا قائمين على تشكيلات تجمع بين أشلاء أو فتات أنظمة قديمة وأفكار سلفية وممارسات تقليدية إلى جانب أفكار سياسية وقومية معاصرة وتصورات حديثة والتي استمرت حتى بعد قيام الأحزاب السياسية الحديثة والمنظمات القومية التي طرحت نفسها طرحاً شمولياً قومياً حديثاً داعية إلى احتواء وضم كل الوحدات الاجتماعية الثانوية ومتجاوزة لكل الحدود الطائفية والعشائرية، حسبما تدعيه أو تثبته في أنظمتها الداخلية وأهدافها السياسية. 

 

وعندما يأتي الاستبداد السياسي أو يظهر القهر الفكري أو يسود الحرمان الاقتصادي بحق الآشوريين ويتفاعل أي من هذه العوامل مع فقدانهم للبناء الأساسي الاجتماعي الملائم لمتطلبات حياتهم السياسية والقومية والقادر على ضمهم واحتوائهم في وحدة اجتماعية متناسقة مع طبيعتهم القومية والحضارية والتاريخية، عند ذاك تبدأ الروابط الاجتماعية والقومية بالتراخي والفتور ويبدأ الفرد الآشوري بالتخلي عن التزامه تجاه مجتمعه أو تجاه نظامه الاجتماعي، الذي لم يعد له وجود أو تأثير مؤثر عليه، فيصبح وضعه كحال الوحدة الاجتماعية التي كان ينتمي إليها والتي باتت من دون معنى أو تأثير عليه في ربطه ضمن النسق الاجتماعي. لا بل وقد يصل الأمر حتى إلى درجة تحلل التزامه من الرابطة العائلية فيبدأ هؤلاء عندئذ لا بترك وطنهم فحسب بل بترك عائلتهم أيضا والهجرة إلى بقاع العالم المختلفة كنتيجة منطقية لهذا التبعثر القومي والاجتماعي والعائلي وكنتيجة أيضا لغياب النظام الاجتماعي الشامل في ظل ظروف تتسم في مجمل جوانبها، المرئية والمخفية، بظاهرة الاستبداد التي تمارس من قبل الأنظمة السياسية بحق الآشوريين المنفلتين من أي التزام قومي صميمي فيصبح وضعهم خاضع لقانون "الطرد والجاذبية" الفيزيائي ليجعل من الهجرة في نهاية المطاف الملاذ المتاح للهروب من هذه الحالة وحجة مقبولة في ضوء المأساة التي تعرضوا لها.

 

ولكن مع كل هذه الأسباب، فهجرة الوطن مهما بررت وخلق الأعذار عنها تبقى غير مقبولة في سياق المشروع القومي الآشوري، إلا انه مع هذا تبقى أيضا حقيقة مرة  ومعلقمة بســموم قاتلة فارضة نفسها وبقوة على عقلية الكثير من أبناء المجتمع الآشوري بحيث أصبحت أمراً واقعاً لا محال منه ويستوجب التعامل معها بأساليب واقعية ومنطقية بعيدة عن التشنج العاطفي. فالتكيف مع ظروف هذه الهجرة، خاصة بالنسبة للآشوريين في المهجر، بهدف الحد من نتائجها السلبية المدمرة على المجتمع الآشوري وتحصينه من الضياع والانصهار، واجب مفروض على كل آشــوري حمل هذا الاسم هوية له. فقبل أن تخنقنا هذه الحقيقة المرة والصعبة وتلتف حول رقابنا وتقضي علينا ومن ثم تبلعنا بطون المجتمعات الغربية، علينا أن نفهم حقيقتها وأن ندرك عيوبها وحسناتها ومن ثم نستوعبها ونتعامل معها بشكل يتلاءم مع جوهر المقومات القومية الآشورية ويزيد من ترسيخها وبما يتوافق مع طبيعة بلدان المهجر.

 

أن الهجرة ليست بظاهرة جديدة العهد وأسبابها أيضا ليست بطارئة، فهي مرتبطة أساساً وفي الجوهر بعملية انهيار النظام الاجتماعي الآشوري الرئيسي والشامل والحاوي على كل البنية الاجتماعية أو الأنظمة أو المؤسسات أو الوحدات الثانوية وفقدان جاذبيته الاجتماعية القادرة على جمع ولم أعضاء المجتمع حول مؤسسته القومية والزعامة التي تمثلها، ولكن في نفس الوقت فأن محور حدة الهجرة، صاعداً أم نازلا بين المحورين الأقصى والأدنى يتحدد مساره بجملة عوامل خارجية مرتبطة بالأساس والجوهر باستبداد النظام السياسي والحرمان الاقتصادي وكبت الحريات وانتهاك حقوق الإنسان، فهي عوامل أساسية تتفاعل وبقوة مع عامل انهيار أو ضعف النظام القومي والاجتماعي، مضاف إلى كل ذلك التطورات الهائلة والمغريات الجاذبة المنبعثة من المجتمعات المستقبلة للمهاجرين. أي بهذا المعنى، نقول بأن للهجرة أسباب داخلية ترتبط بانهيار النظام الاجتماعي والقومي الأساسي للآشوريين وعجزهم عن بناء بديل جديد له يتلاءم مع متطلبات عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى، كما لها أسباب خارجية تتمثل في استبداد الأنظمة السياسية تجاه الآشوريين وحرمانهم من حقوقهم المشروعة.

 

 إذن الهجرة ليس لها أسباب شخصية أو فردية فحسب وإنما هي ظاهرة جماعية نشأت لأسباب موضوعية وواقعية والتي هي لحد هذا اليوم حالة  خارجة عن إرادة الآشوريين ولا يملكون أية قوة تأثير عليها، لا بل ولا يستطيعون التحكم فيها في الظرف الراهن أو إيقافها. فالهجرة هي قوة طرد هائلة وشلال هادر وعاصفة هوجاء لا يمكن الوقوف والتصدي لها ضمن الظروف الحالية والمنظورة والإمكانيات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية الشحيحة للآشوريين. من هذا المنطلق  يستوجب التعامل معها بواقعية منطقية لا برومانسية وحلول سحرية لا وجود لها على أرض الواقع. فالهجرة حقيقة مرة وعلينا قبول مرارتها بالاستعداد والتهيؤ لها ومن ثم التعامل معها بشكل نخفف من قدرتها القاتلة ونحولها إلى اتجاهات قد تفيد المجتمع الآشوري سواء في المهجر أم في الوطن. ويمكن تشبيه ظاهرة الهجرة كسم الأفعى أو كنبات الحنظل الصحراوي الشديد التسمم، إذ كثيراً ما يستخلص السم من الأفعى ويعامل في المختبرات ثم يحول إلى أدوية مفيدة لبعض الأمراض المستعصية. كذلك الحالة مع نبات الحنظل، إذ يقال بأن سمه القاتل هو دواء مفيد جداً للأمراض كالسكر وضغط الدم لو تم التعامل معه وفق طرق معينة يعرفها المجربون. والتعامل بالسموم ليس بالأمر السهل ففيها مخاطرة كبيرة وقاتلة لهذا يتطلبها الحذر الشديد والحرص المركز عند تحويلها إلى أدوية نافعة. هكذا حال الآشوريين أيضا مع الهجرة، فهي سم قاتل ولكن يمكن التعامل معها لتحويلها إلى شيء مفيد، أو دواء نافع إلى أبناء مجتمعنا في المهجر يحصنهم ضد الضياع والذوبان في المهجر، لا بل ويمكن أن يكون الآشوريون أيضاً مساندين وداعمين للآشوريين في الوطن لو تم التعامل منطقيا مع الهجرة وبحذر شديد وحرص وتفاني، خاصة عندما يتمكن الآشوريين في المهجر من ركوب موجة التطور التي تشهده مجتمعات المهجر، وينتهجوا النهج الصحيح في العمل القومي الآشوري، والذي تم التفصيل عنه في متن الكتاب المذكور أعلاه.

 

هذه الحقيقة الموضوعية عن الهجرة، يجب أن ينصب عليها معظم أفكار وجهود وأعمال الآشوريين في المهجر لأنها الواقع الذي يعيشون فيها ويتعاملون معه في حياتهم اليومية. أما القفز من فوقها واعتبارها مجرد حالة طارئة ومؤقتة وشاذة وغير مقبولة واقعياً ومنطقيا ومن ثم محاربتها بشعارات قومية براقــة ورومانسية منمقة تتمحور حول الدعوة وتوجيه النصح والإرشاد لأبناء الشعب الآشوري في أرض آشور للصمود وتحمل المعاناة وإعطاء الموعظة في القومية للبقاء في الوطن وعدم تركه، فهي مسائل لا تمتلك حتى الحد الأدنى من المصداقية طالما هي متأتية من أشخاص ارتضوا لنفسهم هجرة الوطن ونصب خيامهم في بلدان المهجر. فمثل هؤلاء، سواء أكانوا أفراد أو منظمات أو أحزاب أو حتى رجال الدين، مهما حذروا من سلبيات الهجرة ومن خطورة إفراغ آشور من الآشوريين واحتلالها من قبل الغير، ومهما صرخوا وتذمروا من السلبيات المؤثرة على وجود  الآشوريين في المهجر وحذروا آشــوريي الوطن منها ومن عواقبها على عوائلهم وأطفالهم، فانه  ليس من آشوري عاقل، سواء أكان صامداً  في أرض الوطن أم محزماً حقائبه في محطة انتظار قطار الهجرة في الأردن أو في تركيا أو في اليونان، أن يصدق مثل هذه الدعوات طالما لا تنطبق على أصحابها ولا تقترن بأفعال قابلة لتجسيدها على ارض الواقع.

 

فمن المضحك والمبكي في آن واحد أن نسمع في أيامنا هذه حكايات بعض الآشوريين في المهجر حول تبرير تركهم الوطن والهجرة إلى الخارج في القول بأنهم اضطروا اضطراراً  مستميتاً لا مفر منه لهجرة الوطن وأنهم سوف يعودون إلى ارض الوطن بمجرد أن يتغير النظام العراقي الدكتاتوري ويحل محله نظام ديمقراطي. غير أنه من الملاحظ بأن مثل هذه " العودة " مهما بحثنا وتقصينا عنها فأننا لا نجد لها مؤشرات واقعية ومنطقية لا في الواقع الحاضر ولا في المستقبل المنظور، لأنها مجرد تبريــر واهم وكاذب للتناقض الذي يعيش فيه الآشوري في المهجر والذي يعكس حالة الاغتراب الفكري والواقعي الذي يكبل تفكيره وسلوكه. كيف نتصور من شخص عاش سنوات عديدة وطويلة في المهجر وكون له عائلة من زوجة وأطفال وأسسوا حياتهم الاجتماعية طبقاً لمتطلبات هذه البلدان ووجد له مصدر رزق قوته اليومي وأدخل أطفاله المدارس أو تخرجوا من الجامعات وربما تزوجوا أيضا وأنشئوا لهم عائلة، والبعض منهم كان أكثر "توفيقا" وتمكن من جلب جميع أفراد عائلته وربما جميع أقاربه من الوطن إلى المهجر. لا بل والمثير للاشمئزاز هو أن بعض "زعماء الأمة" السياسيين والكنسيين يخطبون ليل نهار ويعضون الآشوريين المساكين بضرورة الصمود والبقاء في الوطن وتحمل المشاق من أجل الأمة في الوقت الذي هم يعملون وبكل الوسائل القانونية وغير القانونية من أجل تهجير أفراد عائلتهم أو أقاربهم إلى الخارج.  فكيف نتصور بأن مثل هؤلاء الأشخاص سيعودون للوطن. ربما تصور هذه العودة ممكنة في الفكر والخيال أو قد تكون نابعة أساسا من نيات طيبة أو أحياناً هي شكل من أشكال المزايدات في الوطنية والقومية، ولكن غير ممكنة إطلاقاً في الواقع المعايش للمجتمع الآشوري من دون تضحيات جسيمة لا يمكن لأي آشوري تحملها في الواقع الحالي. غير أنه من الضرورة جداً الإشارة إلى حالة استثنائية محدودة بهذا الصدد تشكل ظاهرة فريدة ومثالية في التمسك الحقيقي والصميمي من أجل العودة إلى آشور والاستقرار فيه وهي الحالة التي قد تتمثل في فرد واحد مع عائلته أو في عودة بعض أعضاء منظمة بيت نهرين الوطنية الثورية (دورونويو) وحزب تحرير آشور (فرقونو) إلى وطن الأم وبعضهم عادوا مع أفراد عوائلهم. ولكن مما يؤسف له بأنه، بسبب الخلل الاجتماعي والفكري في المجتمع الآشوري المعاصر وضعف الوعي القومي خاصة في المهجر، لم تعد المسائل الاعتيادية والمنطقية، كالعودة إلى الوطن والاستقرار فيه، تشكل القاعدة بل انزوت في زوايا الاستثناء ساهمت عقدة الخوف من السياسة السائدة في المجتمع الآشوري في عجز الكثير من الآشوريين على فهم المغزى الحقيقي لمثل هذه العودة ، لا بل التخوف منها أيضاً، خاصة عندما تقترن بأفكار قومية حقيقية أو بالميزة الثورية والكفاح المسلح. لهذا السبب أقول بأن هذا الموضوع في الهجرة لا يعالج هذه الحالة الاستثنائية وإنما يتطرق إلى الحالة العامة السائدة في المجتمع الآشوري في المهجر.

 

لقد دلت أحدث الدراسات السوسيولوجية عن هجرة الشعوب وتعلقها بأوطانها الأصلية، بأن المهاجر عندما يصل عالم الغربة سوف يجد نفسه مسجوناً بماضي وطنه والسبب في ذلك هو أن الوطن، وبسبب الظروف القاسية والصعبة أو بسبب ممارسات القهر والاستبداد من قبل السلطة السياسية أو من قبل الآخرين، لم يكن يعيش الوطن في وجدانه، غير أن الأمر يبدأ بالتغيير ويشرع الوطن بدخول وجدانه حالما يفلت من هذه الظروف القاسية ويصل المهجر فيكتشف بأنه فعلاً كان يحب الوطن، ولكن الوطن المتمثل في السلطة السياسية أو في الدولة لم يكن يحبه بل كان يرفضه. أي بعبارة أخرى كان غريباً في وطنه ثم أصبح أيضاً غريباً في المهجر، لهذا السبب فأمر العودة نهائياً للوطن والاستقرار فيه سوف لا يتجاوز أكثر من حدود خياله وعواطفه التي نشأت من جراء ترك الوطن وما يتضمنه من ذكريات لمراحل سابقة، خاصة مرحلتي الطفولة والمراهقة أو النضوج، لتصبح رغم مرارتها وقساوتها، حالة يستمع بها المهاجر كذكريات جميلة يشاركه غيره من أبناء منطقتة أو قريته أو مدينته أو مدرسته الذين هاجروا معه. أي بعبارة أخرى، يمكن القول بأن آشوريي المهجر لم يعد يعيشون في هذه الحالة في آشور وإنما أصبح آشور نفسه يعيش فيهم. وظاهرة إعادة بعض التجمعات الاجتماعية في بلدان المهجر والتي كانت قائمة سابقاً في الوطن كتجمع الحبانية وكركوك  وإقامة الاحتفالات الخاصة بأعضائها أو التجمعات العشائرية والقروية وأحياء احتفالات خاصة بشفيع (قديس) هذه القرية أو تلك العشيرة  نماذج في هذا السياق.  

 

 أما بالنسبة للأفراد الذين ولدوا في المهجر وليس لهم نفس شعور آباؤهم فأن معظمهم لا يعيشون نفس التناقض لأن ليس لهم ماضي بوطن هجروه وتركوا فيه ذكريات قريتهم أو مدينتهم، فهؤلاء لا يعرفون وطناً لهم غير الوطن الذي ولدوا فيه ولا يتعدى الانتماء إلى وطن الآباء والأجداد سوى انتماء إلى مشاعر عامة اكتسبوها أما من والدهم أو من الظروف الخاصة المحيطة بمجتمعهم في الغربة، خاصة في الأندية والجمعيات والأحزاب السياسية والتي من الممكن أن تلعب دوراً كبيرها في هذا المجال، وبالتالي لا يغدوا لهؤلاء زيارة وطن الأم إلا كزيارة أي بلد آخر لأغراض السياحة وحب الاستطلاع والتشوق بسبب القصص والذكريات التي سمعوها من والدهم أو من خلال النشاطات الثقافية والفكرية لهذه الأندية، خاصة وأن الحالة بالنسبة للآشوريين هي أسؤ بكثير من غيرهم من الشعوب، لأن زيارة وطن الأم بالنسبة لهم محفوفة بمخاطر جمة في ظل الأنظمة الاستبدادية التي تتحكم بمقدراتها، لذلك ليس للكثير منهم الاستعداد تحمل مثل هذه المخاطر التي لا تحمد عواقبها. أما بالنسبة لعودة هؤلاء إلى وطن الأم للاستقرار والعيش فيه بشكل نهائي هي مسألة تقارب المستحيل في يومنا هذا، فنظرة واحدة وبسيطة للواقع المعايش لهذا الجيل في المهجر يغنينا عن الشرح المفصل. 

 

لهذه الأسباب فأن مسألة العودة إلى الوطن الأم هو تبرير واهم وكاذب نلمسه بشكل مباشر عند بعض الآشوريين الذين يدعون اشتغالهم أو اهتمامهم بشؤون الأمة، خاصة عندما يحاولون إسناد وضعهم الاغترابي هذا بحجج واهية أخرى أكثر كذباً وتبريراً، حيث يزعمون بأنهم هربوا من أرض الوطن وعصوا عن بيت الأباء والأجداد لأنهم كانوا مضطهدين في العراق ولم يستطيعوا تحمل استبداد نظام حزب البعث الحاكم أو بقية الأنظمة الحاكمة في وطن الأم، فاضطروا إلى الهجرة وأصبحت هذه الحجة اسطوانة مشخوطة ومسموعة وعلى الدوام ليس عند هؤلاء فحسب بل حتى عند الذين كانوا بعثيين وجزء من نظام الاستبداد أو وكلاء لهم في تعقب الآشوريين القوميين أو النزيهين منهم والإيقاع بهم. غير أن هذا لا ينفي إطلاقاً تأكيدنا المستمر على أن الآشوريين في العراق مضطهدين قومياً، ولكن من الضروري جداً أيضاً أن نفرق بين اضطهاد النظام للفرد الآشوري بسبب صفته القومية الآشورية وسعيه للحفاظ أو لحماية هذه الصفة والدفاع عنها وبين شعور الفرد الآشوري بالاضطهاد بسبب الحرمان والاستبداد الذي يمارسه النظام العراقي على مجمل الحياة العامة للعراقيين وكذلك بين انجرار الفرد الآشوري وراء مغريات عالم الغربة ودولة الرفاهية في الغرب ومن ثم ترك الوطن واللجوء إلى الخارج والبدء من هناك بتخريفاته في كونه مضطهداً في العراق بسبب كونه آشورياً.

 

أي بعبارة أوضح يجب أن نميز، على سبيل المثال لا الحصر، بين الآشوري الذي رفض تسجيل "عربي" أو "كردي" في الحقل المخصص لإحصاء نفوس العراق عام 1977 وأعتز بآشوريته ودخل في صراع مع ممثل السلطة دفاعاً عن أسم قوميته وما سبب ذلك له ولعائلته من مشاكل ومصاعب في حياته فاضطر في نهاية المطاف إلى الهجرة خوفاً على أطفاله وضماناً لمستقبلهم، وبين الفرد الذي يستنكف، خوفاً أو تحقيراً، من آشوريته ويعتز بالعروبة كقومية له ويحث الآخرين لانتهاج نفس السلوك، لا بل ويتشاجر معهم لأنهم سجلوا كآشوريين وليس كعرب ثم يوشي للسلطات الأمنية عن جاره الآشوري النبيل والمخلص لأمته، لماذا ؟؟ لأنه "عنصري وشوفيني" ومعاد للثورة وحزب البعث الحاكم، ومن ثم يهاجر هذا المستعرب والواشي  أيضاً إلى الخارج إما بسبب ضغط من زوجته أو أن أخوه في كاليفورنيا يطلبه ودبر له "كرين كارت"، وعندما يصل هذا هناك يبدأ بالتظاهر بأنه قومي آشوري مستعد للدفاع عن حقوق الآشوريين في العراق، سواء بخزعبلاته في "الاستماتة والنضال القومي" أو عن طريق الدعوة للتفاوض مع النظام العراقي وانتزاع الحقوق الآشورية من بين الأسنان الصفراء لأزلامه. وباختصار شديد عندما نريد أن نفهم حقيقة أسباب الهجرة ودوافعها يجب أن نفرق بين ذاك النبيل وهذا المزيف، بين الحنطة والزوان، حتى نعرف الأمور على حقيقتها ونحن نبحث في مسائل تخص أمتنا وتحديداً منهج أو أسلوب العمل القومي الآشوري في المهجر الذي يختلف كليا عن ذلك المنهج المتبع في الوطن بسبب تأثير ظاهرة الاغتراب الناشئة في المجتمع الآشوري من جراء ترك الوطن والهجرة إلى الخارج ومدى تأثير هذه الهجرة على أسلوب العمل القومي في المهجر، وهي المسائل التي تمت التفصيل عنها في كتابنا المذكور أعلاه.