رؤية آشورية في آلية التغيير من أجل عراق جديد

 

د. وليم  أشعيا

أستراليا

 

 

في البداية أسترعي انتباه القراء الأعزاء بأني أقدم وجهة نظري الشخصية هذه كآشوري عراقي ضمن أجواء حرية الصحافة والنشر المتاحة في المنافي. السؤال الذي يراود كافة العراقيين هو في كيفية تصور مصير الوطن وإمكانية انتشاله من النفق المظلم والمرتكزات الواقعية للتغيير المنتظر بدون إراقة المزيد من الدماء وتجنباً لتآكل أطراف الوطن. ففي الجسم العراقي جروحاً عمرها مساوية لنشوء الدولة العراقية (1920) إلا أن الجرح الأكبر حصل منذ عام (1968) وامتد لأكثر من ثلث قرن من الزمن وهو عمر النظام الحاكم في بغداد والذي تميز بالتدمير الهائل وعلى كافة الأصعدة وخاصة ما يتعلق بالبنية التحتية للشعب العراقي ليعيش العراقيين دون مستوى الفقر في ظل الحصار الظالم الذي تسبب به النظام الحاكم وسياسياً تم عزل العراق وتصاعدت هواجس الأمن مع دول الجوار بسبب حروب النظام ضدها إضافة الى الضعف الذي أصاب وحدة التركيبة الاجتماعية العراقية. ونظراً لكون مسؤولية التغيير هي شاملة شمولية الشعب العراقي والمعارضة الوطنية لا سيما بعد أن عاد السؤال المهم: العراق إلى أين؟ إلى الواجهة مجدداً مع بداية الحرب على الارهاب الدولي وعودة أزمة المفتشين الدوليين وتصريح الرئيس الامريكي مؤخراً بأن النظام العراقي أحد محاور الشر ويواصل عدائه ضد أمريكا ويدعم الإرهاب ويجب إزالته. ورغم التعقيدات التي ترافق آلية التغيير المنشود فأن هناك عدة عوامل تؤثر على تلك الآلية وأهمها العامل الداخلي المتمثل في المعارضة العراقية والعامل الخارجي المتمثل في موقف ومصالح الدول الاقليمية والدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا وبتفاعلها معاً يمكن تشريح الرؤية الخاصة في معادلة التغيير. فالعامل الداخلي والخاص بالمعارضة العراقية وبسبب التشتت والفرقة وعدم الاتفاق على مشروع موحد جعل المعارضة ذات قدرات ضعيفة في تأثيرها على النظام ومحاولاتها في التعبئة الجماهيرية داخل الوطن بالرغم من مأساوية المحنة العراقية وتجنباً لعدم الغرق في التعميم نستثني بعض المحاولات الجادة التي جرت من أجل توحيد المعارضة العراقية. وتكمن أهمية المعارضة باعتبارها تمثل طموحات الشعب العراقي ولكونها تشمل وتقود عملياً معظم ألوان الطيف العراقي ولذلك فعليها الاسراع في عملية التكامل وتوحيد الفعل المعارض من خلال إقناع الدول الاقليمية والدول الكبرى في عدم التعويل على النظام الحالي كمرتكز ثابت من أجل سلامة مصالحها الخاصة وطمأنة دول الجوار بأن عملية التغيير في العراق هي عامل استقرار في المنطقة ككل. وتتمحور ضرورة توحيد العمل المعارض في المرحلة الراهنة بالذات بعد أن ثبت ميدانياً أن المعارضة بتركيبتها القومية والسياسية ولظروفها الخاصة لا يمكن إخضاعها لإتجاه واحد فقط وحتمية الاعتراف بتعددياتها الآيديولوجية والتعامل معها كعامل إيجابي وبمعنى آخر يمكن تجاوز السلبيات والتنسيق المستمر وصولاً الى تحالف مشترك من خلال فسح المجال للمشاركة الجماعية وتبني مبدأ التشاور لتقوية الجهد المعارض. ومع تصاعد احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد النظام يتوجب العمل على بلورة رأي موحد حولها وما يمكن أن تسفر عنها من تطورات سياسية داخل الوطن وهذا برأينا مبرراً كافياً للدعوة الى إجتماع موسع لأطراف المعارضة واصدار ورقة مبادىء ورؤية مشتركة عبر صياغة خطاب سياسي لمواجهة المستجدات بشكل يتناغم مع تطورات الساحة الدولية والاقليمية وتوضح للعراقيين والعالم الموقف الموحد للمعارضة وكيفية تحمل المسؤولية التأريخية تجاه الشعب العراقي الذي ينتظر الخلاص في التحضير للمرحلة الانتقالية في عراق المستقبل وتصفية تراكمات المرحلة السابقة من أجل عراق ديمقراطي دستوري تعددي والذي يتطلب كأولوية في طرح مشروع وطني متكامل للتغيير في العراق والاتفاق على قيادة مؤهلة وموحدة ذات خبرة سياسية وعسكرية لها تواجد ميداني في الوطن لتتولى مشروع التغيير ودعمها لتعمل في هذا الإطار والبدء بأعمال المقاومة الداخلية والاستفادة من الظرف الدولي مع المحافظة على استقلالية القرار السياسي للمعارضة العراقية كأحد الثوابت الوطنية . لا سيما في ظل بقاء المعارضة كحلقة مفقودة في السيناريو الامريكي حيث لم يصدر من الادارة الأمريكية أية إشارة إلى دورها ورفعها إلى دور الشريك الكامل في عملية التغيير وعلى المستوى الدولي تبدو الحملة الأمريكية على العراق هي الأكثر تداولاً والذي يدفعنا للتساؤل حول مدى جدية واشنطن وصدقيتها حول موضوع التغيير هذه المرة  وطبيعة الحملة الأمريكية للتغيير  لأن المشاريع الأمريكية السابقة كانت مضطربة وتراوحت في تقديمها الدعم المحدود مالياً وسياسياً لبعض اطراف المعارضة ومحاولتها تدبير انقلاب عسكري واحياناً الضغط لعودة المفتشين الدوليين وترفض التعامل مع حكومة منفى يمكن أن تشكلها المعارضة وحتى عندما حاول المؤتمر الوطني العراقي الموحد التحول عملياً إلى حركة تحرير فعلية لإحداث التغيير في العراق(1995) لم تساند واشنطن ذلك التوجه وأكدت بأنها لا تنوي إقامة تشكيل معارض للقتال من أجل الاطاحة بالنظام. وفي ظل التطورات الأخيرة تتصاعد احتمالات قيام واشنطن باستخدام قوات برية أمريكية تعمل داخل العراق بمساندة قواتها الجوية لإسقاط النظام وهو السيناريو الذي سيكون مثار جدل واسع. وأياً كانت الطريقة التي تريدها واشنطن للتغيير فأنها يجب أن لا تستهدف البنية التحتية للشعب العراقي وأن المجتمع الدولي مسؤول عن حمايته  بناءً على قرارات الشرعية الدولية وأن أي عمل من أجل التغيير في العراق يجب أن يكون فيه الشعب العراقي هو مادته ومحور حركته والمعني الأول بنتائجه. ومن المتوقع أن يبدأ سيناريو ضرب النظام بتوجيه انذار نهائي بضرورة عودة المفتشين الدوليين بموجب قرار مجلس الأمن الدولي(1284) وفي حالة استمرار رفض النظام إذا لم يتنازل في اللحظات الأخيرة فمن المتوقع بداية الضربة بعد استقرار الأمور كلياً في أفغانستان وستسبق الضربة التهيئة الاعلامية والسياسية الأمريكية على كافة الأصعدة وخاصة على الصعيدين الاسلامي والعربي. وبهذا نرى أن آفاق خروج الوطن من محنته ومعاناته لا تزال غير واضحة مع تفاعل الأزمة بين النظام وواشنطن ومحاولة النظام في جعل التصعيد الأخير كمخرج لأزمته مستفيداً من الاصطفافات الدولية المستجدة والمراهنة على موقف روسيا والصين وتطورات الانتفاضة الفلسطينية. وأما عن العامل الاقليمي المتمثل بدول الجوار فيظهر كعامل سلبي في دفع عملية التغيير في العراق نظراً للمصالح المتضاربة بين تلك الدول وما تملكه من تأثير ونفوذ مباشر على بعض أطراف المعارضة العراقية وشعورها بالقلق من احتمال تضررها في حالة قيام أي تغيير في العراق وخاصة تركيا التي تحذر من احتمال تقسيم العراق واعلان دولة كوردية في شمال العراق رغم تأكيدات القيادات الكوردية المستمرة في حرصها على وحدة العراق وتهديد تركيا  في احتمال قيامها باحتلال شمال العراق إذا حصل أي فراغ سياسي أو فوضى في العراق والموقف التركي موقف بالغ التعاطف مع توجهات واشنطن وإذا وقعت الضربة فأنها ستكون مع الائتلاف وأما عن الموقف الايراني فأن إيران كان لها علاقة بالملف العراقي حتى قبل نشوب الحرب العراقية-الإيرانية ومع بداية تلك الحرب أخذت إيران تهتم بالمسألة العراقية بشكل أقوى من خلال دعمها بعض أطراف المعارضة العراقية وتحاول إيران حالياً تفعيل دورها في الملف العراقي باعتبار أن واشنطن جادة هذه المرة في تغيير النظام علماً بأن واشنطن تعوّل على تركيا في الملف العراقي بشكل أكبر. وباختصار شديد فالرؤية الآشورية للعراق الجديد تستند على أسس المبادىء التالية:

أولاً- دعوة كافة العراقيين من المنافي والشتات للعودة الى الوطن والمساهمة في إعادة بناء العراق الجديد وتشمل هذه الدعوة كافة العراقيين الذين لحقت بهم أضراراً بسبب قرارات التهجير القسرية ونعني بهم الآشوريون الذين نزحوا بسبب مذابح سميل(1933) في شمال العراق وأبناء شعب اقليم كردستان من الكورد والآشوريين والتركمان والإيزيديين بسبب الحملات العسكرية للسلطات العراقية المتعاقبة لا سيما أثناء حملة الأنفال(1988) وكافة العراقيون المبعدون تحت ذريعة التبعية الايرانية وتعويضهم مادياً ومعنوياً وإعادة الاراضي والقرى لكل مجموعة حسب الأحقية التأريخية وإعادة تعميرها.

ثانياً- إنهاء كافة أوجه العنف والقمع السياسي وآثارها وإلغاء القوانين الاستثنائية والسياسات الجائرة ووقف الاضطهاد والتمييز القومي والطائفي والديني وإحالة مجرمي الحرب الى محاكم الدولة وفتح كافة الملفات الخاصة بعمليات الاغتيال التي طالت العراقيون والتي أغلقها النظام الحاكم وسجلت باسم مجهول وإعادة التحقيق وتقديم القتلة من أعوان النظام الى العدالة لينالوا جزائهم.

ثالثاً- وضع دستور دائم للدولة تتولى صياغته لجنة منتخبة ومختصة تمثل كافة التوجهات القومية والفكرية والدينية في العراق ويتضمن عدداً من المبادىء العامة التي تجسد التعددية والديمقراطية التي تتحقق ميدانياً من خلال نظام دستوري برلماني تعددي علماني ويطرح الدستور لاستفتاء عام للتصويت عليه من قبل الشعب.

رابعاً- ينص الدستور بأن كافة القوميات العراقية من العرب والكورد والآشوريين والتركمان هم شركاء في الوطن ويمارسون حقوقهم وواجباتهم في عراق موحد وتخصص مقاعد في المجلس الوطني العراقي(البرلمان)حسب النسبة السكانية لكافة القوميات العراقية على أن تراعى الخصوصية القومية على كافة الأصعدة.
خامساً- اعتماد النظام العلماني للدولة واحترام المعتقدات الدينية وضمان حرية العبادة وإطلاق الحريات العامة كضمان للتعبير عن المصالح والرؤى المختلفة وبما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا.

سادساً- احترام السيادة الشعبية واعتبارها كمرجع نهائي في تقرير شؤون الوطن وضمان التداول السلمي للسلطة وفق نتائج الانتخابات العامة الحرة وفي هذا الصدد نشير إلى خيار الفدرالية الذي أقره برلمان اقليم كوردستان العراق منذ عام(1992) كأساس لتنظيم العلاقة بين أبناء الاقليم والحكومة المركزية باعتبارها اتحاد طوعي بين وحدات سياسية تتنازل عن سياساتها الفردية الى سلطة مركزية واحتفاظها بسلطات حكومية محدودة مع ضمان تمتع القوميات الاخرى في اقليم كوردستان من الآشوريين والتركمان بوحدات إدارية ذات إدارة ذاتية تتولى شؤونها سلطات تنفيذية محلية منتخبة ويتم فتح مدارس خاصة لهم في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية سكانية وتخطيط الحدود الادارية لتلك الوحدات بواسطة لجان مشتركة بما يضمن الحقوق التأريخية لكافة القوميات وإعادة التوزيع الديموغرافي كما كان عليه الحال منذ تشكيل الدولة العراقية والذي أصابه الخلل بعد عمليات النزوح الجماعية  بسبب الحملات العسكرية على شمال العراق والتأكيد على الوحدة الوطنية أرضاً وشعباً.
سابعاً- اعتبار القانون هو المرجعية الحقيقية في كافة الامور والذي بسيادته يعتبر الضمانة الوحيدة لاحترام حقوق الانسان العراقي وفق لائحة الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية بذلك الشأن والمتضمن توفير مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين العراقيين جميعاً وصولاً الى بناء وترسيخ مقومات المجتمع المدني وإحياء روح المواطنة العراقية الأصيلة.

ثامناً- اعتماد مبدأ استقلال القضاء وفصل السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية وبناء المؤسسات والمحاكم المستقلة كضمان شرعي لدولة القانون.
تاسعاً- تعزيز الشعور بالانتماء الى الحضارة العراقية العريقة بكافة مراحلها التأريخية وتصحيح التزييف والتشويه الذي لحق بالتأريخ العراقي بسبب السياسة العنصرية في عملية إعادة كتابة التأريخ التي انتهجها النظام الحاكم في بغداد.
عاشراً- نزع الصفة السياسية عن الجيش العراقي وتحديد واجباته في الدفاع عن الوطن وحماية الشعب والدستور وضمان تطبيق القانون وفتح أبواب القبول في المعاهد والكليات العسكرية أمام كافة العراقيين وحسب الكفاءة.

حادي عشر- على الصعيد الخارجي العمل على تطبيع العلاقات المتوترة مع دول الجوار والعالم على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية ونبذ العنف والعدوان واحترام المعاهدات والمواثيق الدولية على ضوء المصلحة الوطنية.

ثاني عشر- العمل على تحرير الوطن من الآثار الاقتصادية المدمرة بسبب الحروب وسنوات الحصار الظالمة وإيجاد الوسائل اللازمة لإعادة الحياة والانتعاش الاقتصادي إلى العراق الجديد.